يكمن قلب الأزمة المالية الطاحنة في اليمن في رقم مذهل: 3.3 تريليون ريال يمني، وهو حجم نقدي هائل يتداول خارج الجهاز المصرفي تماماً. هذا “العرق الذهبي” للأزمة، بحسب الباحثة الاقتصادية ميرفت عبدالواسع، انتقل من خزائن البنوك إلى شركات الصرافة، ليصبح القطاع المالي غير المنظم المستفيد الأكبر من حالة الشلل التي أصابت النظام المصرفي.
وقد أوضحت عبدالواسع لـ”العين الإخبارية” أن تراجع ثقة المودعين بسبب استمرار الحرب والانقسام المصرفي أدى إلى انخفاض الودائع بنسبة تتراوح بين 50% و75%، وزيادة السحب النقدي، مما دفع الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج البنوك. وأضافت أن “انتقال الأموال إلى شركات ومحال الصرافة، التي أصبحت تستحوذ على جزء كبير من التعاملات المالية والتحويلات، أدى إلى انتقال جانب كبير من الودائع من البنوك إلى القطاع المالي غير المنظم”.
قد يعجبك أيضا :
وتعود جذور هذا الانهيار إلى اختلال هيكلي حاد. فبين عامي 2017 و2025، قفز الناتج المحلي الإجمالي اسمياً بنسبة 264% من 9.9 تريليون إلى 36 تريليون ريال، بينما لم تتجاوز الزيادة في الكتلة النقدية خارج البنوك 114%، لتصل إلى 3.27 تريليون ريال فقط. وبلغت الفجوة ذروتها بين 2022 و2025 بنمو اقتصادي اسمي قدره 37%، مقابل نمو شبه معدوم في المعروض النقدي لم يتجاوز 4%.
وانعكست هذه الأزمة بصورة مباشرة على عمليات الاستيراد، من خلال صعوبة حصول المستوردين على العملات الأجنبية وارتفاع تكلفة التحويلات نتيجة الاعتماد المتزايد على شركات الصرافة.
قد يعجبك أيضا :
من جهته، ربط الدكتور محمد قحطان، أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز، بين الأزمة واعتماد اليمن لعقود شبه كامل على عوائد النفط والغاز، والتي كانت تمثل أكثر من 70% من إيرادات الموازنة العامة، ونحو 90% من إجمالي الصادرات قبل الحرب. وأشار إلى أن الصراع المستمر منذ عام 2015 أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتوقف صادرات النفط والغاز.
لكن قحطان يرى بارقة أمل في “ملف سري” يتمثل في تحرك شركة “هنت” النفطية الأمريكية، ولقاء ممثليها برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، والإعلان عن اتفاق يقضي بعودة الشركة إلى نشاطها السابق في إنتاج وتصدير النفط والغاز اليمني. وأوضح أن عودة الشركة قد تساعد في تقليص عجز الموازنة وتمكين الحكومة من دفع رواتب الموظفين، كما قد تشجع شركات أخرى على العودة.
قد يعجبك أيضا :
بالمقابل، حمّل الخبير الاقتصادي ماجد الداعري شركات الصرافة مسؤولية التورط في الأزمة، معتبراً إياها المستفيد الأول منها، في ظل انقسام نقدي أوجد بنكين مركزيين يتبعان سياستين متعارضتين. وأشار إلى أن مليشيات الحوثي تسيطر على المركز المالي الأكبر وتستغل ذلك لإفشال سياسات البنك المركزي في عدن.
وبلغت حدة الأزمة حداً جعل الحكومة تطبع نحو 5 تريليونات ريال منذ عام 2016، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الكتلة النقدية المتداولة منذ عام 1990، إلا أن هذه الأموال لا تصل إلى القطاع المصرفي الرسمي، وفقاً للداعري، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الدورة الاقتصادية وعجز عن صرف الرواتب بانتظام.
قد يعجبك أيضا :
وفي خضم الأزمة، تبرز تحويلات المغتربين كـ”أهم مصادر النقد الأجنبي”، حيث بلغت ملياري دولار عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 2.16 مليار دولار في 2026، بما يعادل 15% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتقترح ميرفت عبدالواسع حلولاً تشمل تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي عبر توفير ضمانات للودائع، وتنظيم عمل شركات الصرافة، وإنهاء الانقسام النقدي.