تحل اليوم الذكرى السابعة لرحيل الفنان والموسيقار عزت أبو عوف، أحد أبرز الوجوه التي تركت بصمة خاصة في تاريخ الفن المصري والعربي. فلم يكن مجرد ممثل ناجح، بل كان نموذجا للفنان المثقف الذي جمع بين الطب والموسيقى والتمثيل والإدارة الثقافية، واستطاع على مدار عقود أن يحافظ على صورته الراقية وحضوره الهادئ في قلوب الجمهور.
ولد محمد عزت أحمد شفيق أبوعوف في 21 أغسطس 1948 بالقاهرة ، داخل أسرة عرفت بعشقها للفن والثقافة ، كان والده الموسيقار أحمد شفيق أبوعوف أحد أبرز المتخصصين في الموسيقى العربية، وشغل مناصب أكاديمية مهمة، الأمر الذي جعل الموسيقى جزءا أصيلا من حياة الأسرة.
ورغم شغفه المبكر بالفن، التحق بكلية الطب استجابة لرغبة والده، وتخرج طبييا، ثم مارس المهنة لعدة سنوات. إلا أن شغفه الحقيقي بالموسيقى ظل يرافقه، فدرس العزف والموسيقى، وانضم إلى عدد من الفرق الموسيقية، من بينها فرقة “ليه بيتي شات” ، وهي واحدة من أشهر فرق الروك والموسيقى الغربية في مصر خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضى ، وذلك قبل أن يبدأ مرحلة جديدة في حياته الفنية .
وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي ، أسس أبوعوف مع شيقاته منى ، مها ، منال وميرفت فرقة “فور إم” ، التي قدمت لونا موسيقيا مختلفا جمع بين الغناء والاستعراض ، وحققت نجاحا واسعا خلال الثمانينيات ، وقدمت عددا من الألبومات والأغاني التي لاقت رواجا كبيرا ، من بينها “الليلة الكبيرة ” ، “مغنواتي” ،”دبدوبة التخينة” ، و”لا عجبه كده ولا كده “، كما شاركت في أعمال سينمائية واستعراضية، وأسهمت في اكتشاف عدد من المواهب، من أبرزهم المطرب محمد فؤاد ، الذي كانت بداياته الفنية مع الفرقة قبل انطلاقه منفردا ، ومع زواج شقيقاته تباعا ، توقفت الفرقة عن نشاطها ، ليبدأ عزت أبوعوف صفحة جديدة في مشواره الفني .
وشهد عام 1992 نقطة التحول الكبرى في حياته عندما شارك لأول مرة في فيلم “آيس كريم في جليم” أمام عمرو دياب، ليبدأ رحلة استمرت نحو سبعة وعشرين عاما في عالم التمثيل.
امتلك عزت أبو عوف أسلوبا خاصا في الأداء، فبرع في تجسيد شخصيات الأب الحنون، والطبيب، ورجل الأعمال، والأرستقراطي، واستطاع أن يترك بصمة في عشرات الأفلام والمسلسلات دون أن يعتمد على البطولة المطلقة ، وشارك ما يقرب من 200 عمل فني ، بينها نحو 80 فيلما سينمائيا من أبرزها : كشف المستور (1994) ، طيور الظلام (1995) ، بخيت وعديلة (1996) ، السفارة في العمارة (2005) ، مطب صناعي (2006) ، الجزيزة (2007) ، عمر وسلمي بأجزائه (2007- 2011) ، لا تراجع ولا استسلام (2010) ، و هروب اضطراري (2017) .
كما تألق في الدراما التلفزيونية من خلال أعمال بارزة منها : حواء والتفاحة (1996) ، هوانم جاردن سيتي (1997) ، أم كلثوم (1999) ، زيزينيا (2000) ، تعالى نحلم ببكره (2003) ، الملك فاروق (2007) ، لحظات حرجة (2010) ، إمبراطورية مين (2014) ظل الرئيس (2017) ، الأب الروحي (2018) ، وكان له أيضا حضور مميز على خشبة المسرح في مسرحيات عشرة على باب الوزير (1984) ، كعب عالي (1996) ، وبودي جارد (1999) ، ولم يقتصر عطاؤه على التمثيل، بل وضع الموسيقى التصويرية لعدد من الأعمال، وشارك في تقديم برامج تلفزيونية، من أشهرها برنامج “القاهرة اليوم” مع الإعلامي عمرو أديب.
وفي عام 2008 ، تولى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، واستمر لعدة دورات متتالية، وساهم في الحفاظ على مكانة المهرجان خلال سنوات شهدت تحديات كبيرة، كما نجح في استضافة عدد من أبرز نجوم السينما العالمية، ليؤكد قدرته على الجمع بين الخبرة الفنية والإدارة الثقافية.
حظي الفنان عزت أبو عوف بالعديد من الجوائز والتكريمات التي عكست مكانته الفنية والثقافية، وكان من أبرزها جائزة الإبداع التليفزيوني عن أدائه في مسلسل “الدالي” ، كما اختير ضمن قائمة أكثر الشخصيات تأثيرا في العالم العربي في استفتاء أجرته مجلة “اربيان بيزنس” ، حيث جاء في المرتبة الرابعة والعشرين .
ونال أيضا تكريمات من عدد من المهرجانات والمؤسسات الفنية تقديرا لمشواره الطويل ، من بينها مهرجان كام السينمائي الدولي للأفلام القصيرة ، واحتفالية أوسكار صناع السينما المستقلة ، ومهرجان “وات هابنز” السينمائي، كما كرم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي اسمه بعد رحيله تقديرا لدوره في خدمة السينما المصرية .
وعلى الصعيد الشخصي ، تزوج عزت أبو عوف من فاطيما ، التي عاش معها ما يقرب من سبعة وثلاثين عاما، وكان دائم الحديث عن دورها الكبير في حياته، وأنجب منها ابنيه كمال ومريم التي اتجهت إلى مجال الإخراج.
وشكل رحيل زوجته عام 2015 صدمة قاسية بالنسبة إليه، وصرح في لقاءات تلفزيونية بأنه دخل في حالة اكتئاب شديدة، وتلقى علاجا نفسيا لفترة، كما أثرت هذه الأزمة بصورة واضحة على حالته الصحية.
عانى الفنان الراحل خلال سنواته الأخيرة من مشكلات صحية متلاحقة، أبرزها أزمة في القلب استدعت إجراء جراحة، إلى جانب معاناته من أمراض بالكبد والجهاز الهضمي ، ورغم تدهور حالته الصحية، واصل الظهور في عدد من الأعمال الفنية، وكان آخر ظهور له أمام الجمهور في إعلان جمعه بالفنان عمرو دياب، في مفارقة أعادت إلى الأذهان أولى خطواته السينمائية معه قبل نحو ثلاثة عقود.
وفي الساعات الأولى من صباح الاثنين الموافق أول يوليو 2019، رحل عزت أبو عوف عن عمر ناهز 70 عاما بعد صراع مع المرض داخل أحد مستشفيات القاهرة ، وشيعت جنازته من مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة، وسط حضور واسع من نجوم الفن والإعلام، الذين نعوه بكلمات حملت الكثير من التقدير لمسيرته وإنسانيته.
وبرحيله ، بقى عزت أبوعوف واحدا من الفنانين الذين صنعوا مكانتهم بالاجتهاد والثقافة والالتزام، إذ جمع بين الطب والفن، وبين الموسيقى والتمثيل، وبين النجاح المهني والخلق الرفيع، فاستحق أن يذكر دائما باعتباره أحد رموز الفن المصري الذين تركوا أثرا لا تمحوه السنوات.