الفيلم الكبير الذي نسي أن يكون فيلما - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حين وقف عادل إمام في «الإرهاب والكباب» داخل مجمع التحرير، لم يكن الفيلم يحتاج إلى انفجارات ضخمة أو مطاردات عالمية أو ميزانية تستخدم كعنوان دعائي، كان المشهد بسيطا في ظاهره مواطن عادي، منهك، عالق في دهاليز البيروقراطية، ثم تنفجر لحظة غضب عبثية تكشف مجتمعا كاملا، لذلك بقي الفيلم في الذاكرة، لا لأنه كان الأعلى تكلفة، بل لأنه قال للناس "أنا شايفكم".

هذه الحكاية تصلح مدخلا لفهم مأزق السينما المصرية اليوم، وهي تطارد لقب “الفيلم الكبير” كما لو كان شهادة جودة فنية.

في السنوات الأخيرة، صار الرقم بطلا موازيا للفيلم، «كيرة والجن» حقق إيرادات ضخمة لأنه جمع بين الإنتاج الكبير والحكاية الوطنية والشخصيات الجذابة، أما «ولاد رزق 3» دفع السقف التجاري إلى منطقة غير مسبوقة، مستفيدا من نجومية جماعية، وإيقاع سريع، وصناعة مشهدية قادرة على إبهار الجمهور.

وقبلهما أثبت «الفيل الأزرق 2» أن الجمهور مستعد لدفع التذكرة لفيلم مختلف إذا شعر أن خلفه عالم متماسك لا مجرد دعاية عالية الصوت.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النجاح إلى وصفة جاهزة، نجم كبير، ميزانية ضخمة، مشاهد أكشن، إعلان صاخب، ثم ينتظر صناع العمل أن يصفق الجمهور تلقائيا، لا لن يحدث لأن "السينما لا تشترى بالكيلو، ولا تقاس بعدد السيارات المحطمة ولا بحجم الديكور ولا باسم النجم على الأفيش".

الفيلم الكبير هو الذي يعرف لماذا يروي حكايته، لا الذي يكرر طوال الوقت أنه كبير.

ولدينا أمثلة قريبة تؤكد ذلك، «هيبتا» لم يكن فيلما استعراضيا، لكنه وصل إلى جمهور واسع لأنه لمس منطقة عاطفية يعرفها الشباب جيدا، و«678» لم يحتج إلى ميزانية ضخمة كي يصبح فيلما مهما، لأنه اشتبك مع قضية اجتماعية حقيقية بجرأة وحساسية، و«أسماء» لم يكن فيلما صاخبا، لكنه امتلك شجاعة إنسانية جعلته أكبر من حسابات السوق الضيقة.

تخشى بعض الأفلام المصرية من الهدوء، كأنها لو توقفت لحظة ستنكشف، تلاحق المتفرج بالموسيقى، والمؤثرات، والإفيهات، والمطاردات، بينما الحكاية نفسها أحيانا واقفة على رجل واحدة، والجمهور، مهما بدا منساقا وراء الترند، أذكى من ذلك، قد يدخل القاعة بسبب الدعاية، لكنه لا يخرج مؤمنا بالفيلم إلا إذا وجد قلبا ينبض داخله.

ليست الدعوة هنا ضد الإنتاج الكبير، بالعكس، السينما المصرية تحتاج إلى ميزانيات محترمة، وتقنيات حديثة، وأسواق عربية، وخيال واسع، لكن المال يجب أن يخدم الرؤية لا أن يحل محلها.

حين ينسى الفيلم الكبير أن يكون فيلما، يتحول إلى واجهة براقة، أما السينما الحقيقية، فهي تلك التي تترك فينا أثرا بعد أن تنطفئ الشاشة، لا بعد أن تنتهي حملة الإيرادات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق