فى نوفمبر عام 2024م كتبتُ مقالا أشكر فيه من صاغوا قانون إنشاء اللجنة الوطنية الدائمة لشؤون اللاجئين. وفى 22 إبريل الماضى نشرتُ بجريدة الدستور مقالا بعنوان خيوط المؤامرة على مصر، وبه وجهت تساؤلا للحكومة المصرية عن توقيت تفعيل هذا القانون. ومنذ أيام أصدرت الحكومة المصرية اللائحة التنفيذية لهذا القانون فى خطوة هامة على طريق إنقاذ مصر وإخراجها خروجا آمنا من هذا الملف الفخ. لذلك فإننى أتوجه بشكر مستحق للحكومة المصرية على استجابتها للرأى العام المصرى، فى انتظار انقضاء الفترة الانتقالية التى حددتها اللائحة التنفيذية بستة أشهر، لكى نرى ما سوف يتغير على أرض مصر. وعلى المصريين أن يصطفوا خلف دولتهم فيما تواجهه الآن وما سوف تواجهه بعد أشهر من هجوم وحملات ابتزاز متوقعة وبعضها بدأ بالفعل.
(1)
ما حدث فى هذا الملف على أرض مصر هو فخ حقيقى، بدأ منذ تصدير الفوضى للدول العربية فيما أطلق عليه الربيع العربى. يجب أن نكون منصفين فى توصيف ما حدث. فالكتل الأكبر التى دخلت أرض مصر، خاصة من ظهير ومؤيدى جماعات التأسلم السياسى كانت قد دخلتها فى الأعوام من يناير 2011 وحتى ثورة يونيو 2013. وهؤلاء هم الذين أدخلوا أموال مجهولة المصدر مع أشخاص يفترض أنهم وقتها قد خرجوا فارين. كما حدث استغلال لهذه الفترة وتشكلت ما يشبه مافيا أغنياء الحروب لتهريب البشر على حدود مصر الجنوبية عبر دروب الصحراء. فى السنوات السابقة عصفت بدول المنطقة مؤامرات كبرى شتت شعوب بعضها، ومزقت أوصال البعض الآخر ونجت مصر بفضل الله عليها وبجهد ووعى أبنائها. لكن فكرة أن تخرج أى دولة من هذا الصخب السياسى دون أى تأثر على الإطلاق لم يكن ممكنا بفعل الأمر الواقع. لقد خرجت مصر بأقل الخسائر الممكنة. تجاوزت الفخاخ الكبرى، وهى الآن تحاول الخروج الآمن من آخر تلك الفخاخ. من المحتمل أن تكون هناك بعض القرارات الخاطئة التى تم اتخاذها فى توقيتات معينة تحت وطأة ضغوط كبرى، لكن المهم كما تقول الحكمة..أن تأتى متأخرا خيرٌ من ألا تأتى، وها هى الحكومة المصرية تبدأ سلك الطريق الصائب رغم كل الصعوبات المتوقعة، ودور المصريين أن يساندوا قراراتها. فهذه المساندة ليست رفاهية، بل هى الآن واجب وطنى للحفاظ على هذه البلاد.
(2)
قانون إنشاء اللجنة الوطنية للاجئين الذى دخل – بموجب إصدار اللائحة التنفيذية ونشرها بالجريدة الرسمية – حيز التنفيذ يعنى أن تتحرر الدولة المصرية من كثيرٍ من الضغوط، ويعنى تصويب خطأ متراكم من عقودٍ طويلة بالحفاظ على السيادة الوطنية واستقلالية القرار المصرى. لم يتنبه أحدٌ فى تلك العقود لأهمية وجود مثل هذه اللجنة، لأن قصة اللجوء كانت محدودة جدا قبل اندلاع الفوضى فى المنطقة. بنود القانون تمنح اللجنة الوطنية حقا كاملا وحصريا فى حسم كثيرٍ من مسببات القلق الشعبى المصرى. وهناك خطأ وقع فيه البعض فى الأيام الأخيرة، وذلك بأنهم لم يقرأوا مواد هذا القانون وإنما اعتبروا أن اللائحة التنفيذية هى القانون. ولقد نشرت كل منصة هذه اللائحة بشكل انتقائى يتماشى مع سياستها التحريرية مما أثار حفيظة كثير من المصريين. فبعضهم سخر من القانون – دون قرائته – استنادا إلى بند منشور على إحدى المنصات بأن كل طالب لجوء عليه التقدم بإقرار أنه لا ينتمى لجماعة إرهابية. سخروا من القانون لأنهم اعتبروا أن هذا البند هو القانون، بمعنى أن أى شخص يقدم هذه الورقة سوف يقال له أهلا وسهلا تفضل! هذا تدليس تام. فمواد القانون تحدد كيفية تشكيل اللجنة بشكل يضمن احتواءها على جميع مؤسسات مصر المختصة بالأمن القومى المصرى، أى أن هذا الإقرار المشار إليه ليس إلا مجرد ورقة لا تمنع أى مؤسسة من القيام بدورها فى البحث والتحرى. كما أن مواد القانون منحت اللجنة حق سحب صفة اللجوء ممن سبق منحهم إياها إذا ما ثبت أو استجد ما يتنافى مع أسباب منحه اللجوء أول مرة. ومن أهم مواد القانون هو إلزام كل لاجىء بالقوانين المصرية ومنعه من أى ممارسات سياسية أو القيام بأى أنشطة تتعارض مع القوانين المصرية. سبب تعطيل قيام مؤسسات الدولة سابقا عن ممارسة دورها فى مثل هذه المواقف، أن الولاية القانونية على اللاجئين كانت فى إيدٍ غير مصرية. الآن وبعد انتهاء فترة انتقال الملف للجنة الوطنية سوف يتم تفعيل دور هذه المؤسسات. وعلى الذين يخوضون فى هذا الشأن أن يقرأوا أولا كل مواد القانون قبل القفز إلى تخيلات وهمية وتصديرها للمصريين.
(3)
طبقا للمتحدث الإعلامى لشؤون المفوضية وفى آخر بيان رسمى فإن عدد اللاجئين الفعليين بالإضافة إلى طالبى اللجوء فى مصر حتى نهاية مايو هذا العام هو مليون ومائة ألف. أى أن كل ما نتحدث عنه فيما يخص المفوضية أو اللجنة الوطنية التى سوف تتولى ملفات هؤلاء لا يخص سوى هذا العدد. أما باقى الملايين المقيمة على أرض مصر فلا هم لاجئون ولا هم طالبو لجوء. وهذا خطأ معرفى جسيم يسقط فيه الكثيرون. لذلك، فإذا فصلنا بين مليون ومائة ألف - باعتبارهم من اختصاص المفوضية حتى ستة أشهر مقبلة، ثم من اختصاص اللجنة الوطنية بعد ذلك – عن باقى الملايين التى تتخطى حسب التصريحات الرسمية عشرة مليون مقيم أجنبى، تصبح تساؤلات بعض المصريين للحكومة المصرية منطقية جدا. ما الذى يمنع قيام جميع الإدارات المصرية الأخرى بواجباتها القانونية والدستورية فيما يخص هذه الملايين من غير اللاجئين وطالبى اللجوء؟ ما الذى يمنع الإدارات المسؤلة عن منظومة العمل فى مصر من تفعيل مواد القانون المصرى الخاصة بالعمل والقائمة بالفعل؟ ما الذى يمنع توقيف أى شخص على أرض مصر فى وسائل المواصلات مثلا وسؤاله عن بطاقة هويته أو أوراق إقامته والكشف عليها كما يحدث فى كماين الطرق معنا نحن المصريين؟ كيف يتم هذا مع أى مواطن مصرى وهو يستقل سيارة عامة ويتم فحص ملفه الجنائى – وهو حق أصيل للدولة ومن تمام تحقيق الأمن فى مصر ولا اعتراض عليه – بينما توجد هذه الملايين من غير المصريين وتمارس حياتها بشكل طبيعى ولا يوقفها أحد أو يسألها أحد؟! كيف يتم التفتيش على المحلات العامة للمصريين تفتيشا إدارايا يخص منظومة الضرائب وغيرها بينما لا يتم نفس الشىء مع غير المصريين؟ كيف لم تتم – حسب معلوماتى وأرجو أن أكون مخطئا – حتى الآن محاكمة عصابات تهريب الأفراد وإدخالهم لأرض مصر بصورة غير شرعية؟ لو أن الأمر يتعلق فقط بمليون ومائة ألف إنسان لأصبح أمرا يسيرا، لكن الأمر يخص ملايين تسللت إلى النجوع والقرى. إلقاء العبء على عاتق الأجهزة الأمنية بمفردها غير منصف، لأن هناك إدارات حكومية متداخلة مع ملف المقيمين الأجانب مثل إدارات ضبط سوق العمل ومنظومة الضرائب وإصدار التراخيص وغيرها. وحين حدث هذا فى الفترة الماضية كانت بعض المنصات تستغل هذا وتتعمد الخلط بين هذه الإجراءات القانونية الطبيعية وبين ملف اللجوء. ويساعد على ترويج هذا الخلط هو ما يقوم به كثيرٌ من المصريين أنفسهم بهذا الخلط على صفحاتهم الشخصية واستخدام مصطلح محدد (اللاجئين) فى الإشارة لغير المصريين. يجب أن يتحلى المصريون بالوعى فى استخدامهم للمصطلحات وأن يتعودوا على استخدام مصطلح المقيمين عند الإشارة إلى هذه الملايين التى نتحدث عنها والتى نطالب الإدارات المصرية المختلفة بالقيام بدورها فى ضبط أوضاعهم القانونية.
(4)
أنا لا أتفق مع بعض الأصوات التى تريد أن تقوم الدولة المصرية بما قامت به إحدى الدول المجاورة مع الأجانب المقيمين على أرضها. حيث حدث تجمهر وغلق لمبنى المفوضية هناك وجرى التعامل بخشونة مع آلاف من هؤلاء المتسللين. مصر دولة مستقرة راسخة ولديها ملفات تعاون مع منظمات دولية ودول غربية كأى دولة قائمة بالفعل لديها مصالح. لذلك فهذا النموذج الذى حدث فى تلك الدولة لن يكون فى صالح مصر تطبيقه. فبخلاف علاقات مصر الدولية، هناك أمر واقع على الأرض وهو وجود هذه الملايين وانتشارها جغرافيا، مع وجود فلول الجماعات المصرية المتأسلمة التى تتحرق لأى مشهد فوضوى فى مصر لكى تسكب مزيدا من الوقود على اللهب. من السذاجة والغباء أن ينساق بعض المصريين خلف هؤلاء وأن يروجوا لهذا السيناريو فى مصر. مصر دولة كبرى والمصريون بطبيعتهم شعب مسالم ونحن لا نريد أن نقدم شعبنا قربان دم لن يستفيد منه أحد غير هؤلاء المتربصين. الحل الأمثل هو إقامة القانون على أرض مصر بشكل حاسم صارم دون الخضوع لأى ابتزاز.
من الآن وحتى انقضاء الفترة الانتقالية ستة أشهر، علينا أن نترك ملف المليون ومائة ألف لاجىء وطالب لجوء للجنة الوطنية التى بدأت بالفعل فى تسلم الملفات، وبعدها لن يكون للمفوضية أى دور فعلى حتى لو بقى مكتبها موجودا فلا توجد مشكلة فى وجود المقر دون أى صلاحيات لمن يعملون به لفترة أخرى قبل أن تنسحب من المشهد سواء طواعية أو ببعض الرخامة القانونية المشروعة! لكن يجب خلال هذه الفترة أن نطالب باقى الإدارات الحكومية بأن تقوم بدورها مع باقى الملايين من غير اللاجئين أو طالبى اللجوء، وتحديدا مع (المقيمين)
وهنا فإننى أدعو كل المصريين ممن يعملون فى هذه الإدارات أو يصوغون سياسة عملها أن يقرأوا التاريخ جيدا. فما يحدث الآن هو صورة كربونية لما حدث فى مصر فى القرن العاشر قبل الميلاد. نفس التفاصيل ونفس الهويات..كرم وشهامة مصرية صاحبها تسلل الاف من دول الجوار لأسباب مختلفة دفعتهم للخروج من بلادهم. دخلوا مصر كضيوف. رأوا خيراتها وأمنها وأمانها فطمعوا بها. استدعوا عشرات الآلاف من بنى جلدتهم من مختلف الأعراق. فلما اشتد عودهم وقوى حضورهم كونوا لوبيهات كبرى استولت على أراض مصرية وهيمنت على تجارة مصر مثل تجارة القمح وتجارة ورق البردى. ثم كانت الخطوة التالية نشر الفوضى لإرهاب المصريين. نعم هذا ما حدث حرفيا. فوضى دموية وهجوم على مصريين فى المعابد والقرى..كانوا سببا مباشرا فى تفكك أعظم الحكومات المركزية فى العالم..حكومة مصر. آلافٌ منهم وجدوا طريقهم كمرتزقة فى جيش مصر وهؤلاء كانوا السبب المباشر فى تفكيك الجيش المصرى وتسليم مصر دون مقاومة للاحتلال اليونانى الذى كان بوابة ألفى عام من الحكم الأجنبى لمصر. لا أخشى على جيش مصر الآن من تكرار أحداث المرتزقة لأن المؤسسة الوطنية العسكرية المعاصرة محصنة تماما ضد هذا الخطر. لكن خشيتى من جهل مصريين كثيرين - ممن يتولون أمور مؤسسات مصرية إدارية حكومية بيروقراطية أو كمواطنين عاديين - جهلهم بتاريخ بلادهم وجهلهم بمدى الخطورة التى يمكن أن تترتب على ما يهرفون به من كلمات ومصطلحات هى نفسها التى قادت مصر وقتها للهاوية.
(5)
بعضهم يباهى بجهله متفاخرا..أن مصر بوتقة يمكنها هضم الجميع ولا خوف عليها..ثم يذكرنا بأسماء بعض النابغين من أهل الفن والثقافة ممن دخلوا أرض مصر ثم تمصروا وأصبحوا يمثلون جزءً من تراث مصر. هذا حقُ يراد به باطل ويراد به التدليس على المصريين لتزيين الحرام الوطنى. هذا حقٌ فى ظروف سياسية مخالفة لما نواجهه الآن، وبأعداد محدودة، وهذا لم يتوقف فى يوم ما. لكن الحديث عن ملايين - كثير منها يعتنقون أفكارا معادية للهوية المصرية أو من محترفى البلطجة فى بلادهم – وفى ظل هذه الظروف الملتهبة وما تواجهه مصر يصبح باطلا خالصا. يا سادة نحن الآن نواجه خطرا حقيقيا على الهوية المصرية والمقدرات المصرية. منذ أيام طالعتُ ما كتبته بنت صغيرة لم تتجاوز الثالثة عشر من العمر تجمع الجنسية المصرية وجنسية عربية أخرى لأنها نتاج زواج مختلط..كلمات صادمة.. كراهية تامة لمصر..تعصب دينى مقيت..عبارات طائفية..تُرى كم عدد هؤلاء الذين أصبحوا الآن مصريين نتاج ما حدث فى السنوات الماضية؟ وهل سيلتحق الذكور من هؤلاء بالجيش المصرى أثناء فترة التجنيد أو حتى من حقهم الالتحاق بكليات سيادية؟ أنا لا أعرف قانونا إن كان يحق لهم ذلك أم لا، لكن على الأقل هؤلاء أصبحوا من مكونات المجتمع المصرى. هل هناك فى مصر من يقوم بدراسة هذه المفردات والملفات الشائكة؟ منذ سنوات أكتب كما يكتب غيرى أن كتلا ممن دخلوا أرض مصر من جنسية عربية أسيوية بعينها هم أعضاء صريحون من جماعة الإخوان أو من مظاهريها، وبعضهم فر نتيجة هذا الانتماء. بعض هؤلاء اختلطوا وتزاوجوا بمصريين أو مصريات. فهل هناك حصر للأعداد؟ وأعداد الأبناء والبنات؟ هناك قوانين لمنح الجنسية كأى دولة فى العالم. هذا حقيقى. لكن هناك قانون آخر هو قانون ممارسة الحق السيادى بتعطيل أو تجميد بعض مواد القانون الطبيعى إذا ما اقتضت الضرورة ذلك. فهل هناك من قام بدراسة هذا الملف وتوصل لمدى حاجة مصر الآن – وربما لسنوات بعينها – لممارسة هذا الحق القانونى الاستثنائى؟ أليست مصر فى حاجة الآن لمراجعة فكرة وآليات منح جنسيتها على الأقل لسنوات محددة؟
(6)
تتعرض مصر لابتزاز صريح مباشر. البعض يريدون الضغط عليها لإتمام إسقاطها فى الفخ. المشهد الذى يمكن أن يحدث العشرات مثله فى دولة غير مصر، يتم بروزته والعمل على استغلاله وتوظيفه فى حملة الابتزاز..وأحيانا أكثر يتم خلق المشهد من العدم لإلصاقه بمصر. صحيفة الجارديان البريطانية المعروفة بتوجهها الخادم لمخططات الدولة البريطانية العميقة لم ترَ كل المشاهد التى حدثت فى دول أوروبية تجاه ملايين اللاجئين، ولم ترَ ما حدث فى دول المنطقة تجاه لاجئين آخرين..لم ترَ سوى ما ينشره بعض الذين أغدقت عليهم مصر بكرمها الزائد..بعض هؤلاء أصبح يرى ويكتب صراحة أن له استحقاقا فى أرض مصر، وبعضهم كون مجموعات ابتزاز إعلامية ضد مصر. تلقفت الجارديان بعض ما يتم نشره ثم كتبتْ ما أسمته تقريرا عن أوضاع هؤلاء اللاجئين على أرض مصر. بصراحة تامة، لم يغضبنى ما كتبته الجارديان ولا ما أطالعه مثل غيرى كل يوم من حملات السفالة ضد مصر من هؤلاء. فتوجه الجارديان معروف، وصفاقة هؤلاء وتنطعهم معروفة..
أما الذى أغضبنى بقوة فهو نص ما ورد من رد هيئة الإستعلامات المصرية على ما نشرته الجارديان. كان الصمتُ أفضل كثيرا من عبارات ذلك الرد الذى أُرسِل كتابة إلى الجارديان. ولو كان الرد حتميا فلا المنطق الذى صيغ به ولا العبارات التى أختيرت له يصلحون فى مثل هذا الموقف. الشعور العام الذى ينتقل بقوة لمن يقرأ نص الرد هو أن هيئة مصرية إعلامية رسمية وضعت مصر فى موضع الدفاع عن نفسها فى موقفٍ كان يمكن لهذه الهيئة المصرية أن توظفه بشكل يدين الجارديان ووقاحتها ووقاحة من نقلت عنهم، وأن يخطو بمصر خطوة واسعة نحو التحرر من الضغوط والابتزاز. استعرض رد هيئة الاستعلامات ما قامت به مصر من جهود فى السنوات الماضية تجاه لاجئى وفارى هذه الدولة. لا بأس من هذا وكان يمكن أن يخصص لهذا الاستعراض فقرة أو فقرتان فى منتصف الرد..لكن أن يكون محتوى الرد كاملا منصبا على هذه الفكرة فهذا لا معنى له سوى أن من صاغوا هذا الرد هم من أصحاب الأيدى المرتعشة الذين لا يصلحون أن يكونوا على رأس هيئة مصرية بهذه الأهمية والقوة. حتى لو أتت حرصت الصيغة على الدبلوماسية، ألم يتعلم من كتبه معنى قوة الدبلوماسية؟ هناك من البيانات الدبلوماسية ما يحمل من القوة أكثر ما تحمله طلقات الرصاص.
أين الغضب المصرى المشروع فى لهجة البيان؟ أين الكبرياء الوطنى؟ أين الاستهجان وقد صاغت الجاديان التقرير بعنوان (الفقر والعنصرية والاختفاء القسرى..لماذا يغادر لاجئو الحرب الس..مصر إلى أوروبا؟) لماذا لم يفتتح كاتب بيان الرد عباراته بلهجة غاضبة أو ساخرة مثلا (إذا كنتم زعلانين عليهم افتحولهم أبواب الهجرة لبريطانيا) ولماذا لم يصدر بيانه أو رده بعرض مشاهد حقيقية لممارسات عنصرية وخشونة أوروبية فى التعامل مع اللاجئين؟! ولماذا لم يعرض البيان ويعرى الهدف الحقيقى للجارديان بأن مشكلتها ومشكلة من خلفها هو الخوف من توجه الهجرة إلى أوروبا. لماذا لم يحتوِ البيان على عبارات مثل (خوف الجارديان من نزوح الهجرة تجاه أوروبا لا يعطيها حق التضليل وإلصاق اتهامات كاذبة بمصر)؟
فقرة الحديث عن العلاقات التاريخية بين البلدين مصر ودولة الفارين..ألم يكن من المنطقى أن يستنكر كاتب الرد ما يقوم به هؤلاء من تنكر لهذه العلاقات، وأن يعلن عن غضبه؟
الفقرة الوحيدة المنطقية كان حديث كاتب البيان عن أن مصر تطبق قوانينها دون تفرقة بين الجنسيات. فقرة منطقية غاب عنها القوة اللغوية التى تعبر عن الرفض المصرى لأى تدخل من وسائل إعلام غربية أو جهات غير مصرية فى إجراءات قانونية مصرية.
لقد بدا بيان الرد وكأن صاحبه يدفع عن مصر قائمة اتهامات فى قاعة محكمة. مصر ليست متهمة أو فى موضع دفاع عن نفسها يا سيدى. مصر صاحبة فضل سواء على المتطاولين أو على قارة أوروبا بأكملها. كنت أنتظر أن يتحدث كمصرى غيور لديه الحق أو عليه واجب أن يقوم بتوضيح مشاعر غضب المصريين تجاه هذا الملف وهذه الإدعاءات. نحن بحاجة أن يكون من يتحدث فى مثل هذه المواقف له من قوة المنطق وقوة اللفظ ما يتفق ويتناسب مع قوة مصر كشعب ومؤسسات. أنا كمصرى آلمنى بشدة رد هيئة الاستعلامات المصرية..آلمنى أنه لم يغضب من أجل مصر. ولم يرسل رسالة غضب المصريين للجارديان ومن خلفها.
(7)
المشهد الآن أن حكومة مصر قد حسمت قرارها وأنها فى طريقها لتحرير مصر من فخٍ تم نصبه لها منذ عام 2011م، وأيضا لتصويب أخطاء حدثت بعد ذلك وليس من الموضوعى أن ننكرها. أعتقد أن هذه الخطوة التى بدأت نوفمبر 2011م هى بداية الطريق الصحيح لخروج مصر الآمن من هذا الشَرَك. قطعا سوف يستغرق الأمر بعض الوقت، لكن حسم قرار السير فى الطريق الصائب لا يقل أهمية وقوة عن السير نفسه. بغض النظر عمن أخطأ التقدير فى أوقاتٍ معينة، أو أصاب التقدير واختار من الاختيارات التى كانت أمامه الأقل سوءً مما لا نعلم، فإننا كمصريين ينبغى أن نكون بشكل كلى مع حكومة مصر. لأن الفترة القادمة سوف تشتد حملة الابتزاز والضغط والتى قصت الجارديان شريطها الافتتاحى، وبدأت بالفعل منصات مصرية الاسم إخوانية التمويل والسياسة التحريرية فى شن الحملة ضد قرار الحكومة المصرية. أمارس هواية محببة..حين يكون هناك موقف سياسى معين..أراهن نفسى على ما سوف تكتبه هذه المنصات قبل أن أطالعها..وعمرها ما خيبت معايا! كل الرهانات والمواقف كانت كما توقعتها. دائما تختار هذه المنصات الموقف الذى تتوقع فيه الإضرار بمصر، لدرجة أننى فكرت أن أختصر جهد البحث لتكوين رأيى بمطالعة هذه المنصات ثم الوقوف على الجانب الآخر منها!
لكى يتم لمصر هذا الخروج الآمن فعلى الجميع أدوارٌ وطنية للقيام بها. وأهمها كيفية تناول عموم المصريين لهذا الملف على وسائل التواصل. انتقاء المصطلحات شىء مهم، لأن هناك من يقومون باستغلال ما ينشره المصريون كأحد مفردات الابتزاز. صياغة مطلب (ترحيل اللاجئين) وتوجيهه للحكومة المصرية ليس صائبا لأنه يُجهض جهود الدولة المصرية وإجراءاتها ويصور هذه الإجراءات وكأنها ترحيل قسرى للاجئين وطالبى اللجوء. على المصريين التوقف عن استخدام مصطلح (ترحيل) واستبداله بمطالبة الحكومة المصرية بتطبيق قوانين مصر على جميع المقيمين على أرضها من قوانين عمل إدارية وقوانين إقامة وملفات ضريبية وضرائب عقارية ومساندة الكمائن الأمنية وعدم التململ من إجرءات الشرطة المصرية. على المصريين أن يتركوا ملف المليون ومائة ألف لاجىء وطالب لجوء للجنة الوطنية التى بدأت بالفعل فى تولى مهامها. أى أن يكون حديثنا كعوام فقط عن تطبيق قوانين مصر على الجميع.
وعلى السادة المسؤلين الإداريين فى مختلف مؤسسات مصر أن يتوقفوا عن الإسهاب فى استخدام مصطلحات أصبحت سيئة السمعة على الأقل عند عموم المصريين مثل (الدمج والتوطين والتمكين). المصريون يرفضون هذه المصطلحات وتفعيلها. ترديد هذه المصطلحات فى الفترات الماضية أسهم دون قصد فى تكبيل مصر باستحقاقات وهمية، لكن أصبحنا نسمعها فى خطاب متغطرس من بعض الذين فاضت مصر عليها بكرمها.
هذه المصطلحات التى يمكن التباحث فيها فى الظروف السياسية العادية، أصبحت الآن مرفوضة تماما فى ظل ما نعرفه من محاولات سطو على هوية وتراث مصر. ولا أريد أن أبالغ وأستخدم عبارة جمال عبد الناصر للسادات فى مسلسل الجماعة..حين لمح السادات إلى فكرة التصالح مع الجماعة فى ظل ممارستها للإرهاب..رد ناصر المقتضب كان (اسمع يا أنور..أى حد يتكلم عن مصالحة مع الإخوان دلوقتى يبقى خاين!) فلا يمكن الآن أن نتحدث عن دمج أو تمكين اقتصادى لغير المصريين قبل أن تُحسم ملفات مهمة..مثل حسم ملف قطاع غزة بشكل نهائى..وحسم ملف الأفروسنتريك بشكل نهائى..وحسم ملف إخوان سو...الذين لا يزالون يقيمون فى مصر وبعضهم أصبحت له عائلات نصفها مصرى..
أما ملف المليون ومائة ألف – لاجىء وطالب لجوء - فهو الفخ الحقيقى وهو المحك الحقيقى لنجاح تلك اللجنة فى تحقيق مطالب المصريين المشروعة على المدى الزمنى الذى تراه اللجنة. لكننا لا ننتظر أن يتحول العارض إلى دائم.
ولا يمكن لمصر أن تستكمل خروجها الآمن دون أن يتم مواجهة منابع التسلل بشكل صارم. فأن تستمر مصر فى طريقها وفى نفس الوقت تظل هذه المنابع قائمة فهذا معناه إجهاض الجهود المصرية. هل مصر أغنى من الولايات المتحدة؟ فانظروا كيف تعامل ترامب – رئيس الدولة التى يُنظر إليها كالدولة الممثلة لفكرة الديموقراطية فى العالم – مع ملف المتسللين على حدود بلاده. وانظروا أيضا إلى المشهد الأهم كيف استقبلت ولاية بإحدى الدول المجاورة مواطنيها العائدين من مصر..رفضوا دخولهم الولاية واتهموهم بأنهم بلطجية نهابة لصوص!
الخروج الآمن لمصر من الفخ! - أقرأ 24
الخروج الآمن لمصر من الفخ! - أقرأ 24















0 تعليق