
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والتغييرات في التجارة العالمية، يعتمد الرئيس الصيني شي جين بينغ على استراتيجية طويلة الأمد لحماية بلاده من الاضطرابات الخارجية، تتمثل في تحويل الصين إلى القوة التكنولوجية الرائدة على مستوى العالم.
تحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي
تسعى بكين خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى تطوير صناعتها الضخمة، وتعزيز ما تعرفه بـ “الاكتفاء الذاتي التكنولوجي”، بالإضافة إلى استكشاف القطاعات المستقبلية، التي يمكن أن تدفع بالصين إلى الصدارة في المنافسة العالمية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطيران، والفضاء، والحوسبة الكمية.
النظر إلى الريادة
يؤكد الخبراء أن الطموح الصيني لم يعد محصوراً على تقليص الفجوة مع الغرب، بل يسعى إلى انتزاع الريادة في العديد من المجالات التكنولوجية، كما يشير دان وانغ، مدير شؤون الصين في شركة “يوراسيا غروب”، إلى أن “الصين تسعى، للمرة الأولى، إلى التوجه نحو قمة العديد من التقنيات، بعد أن كان الهدف في السابق هو اللحاق بالغرب”.
إقرار الخطة الخمسية
تمت المصادقة على ملامح هذه الرؤية خلال الاجتماع السنوي للمجلس الوطني لنواب الشعب في بكين، حيث وافق المشرعون على وثيقة تعرف بـ “الخطة الخمسية”، التي تُعتبر بمثابة البوصلة الاستراتيجية للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية في الصين، خلال السنوات المقبلة.
عادةً ما يتم إعداد هذه الخطط في الخفاء داخل الدائرة المقربة من القيادة الصينية، قبل أن يتم طرحها رسمياً في الاجتماع التشريعي السنوي، وتمثل هذه الوثيقة الإطار العام للسياسات الحكومية، بحيث تحدد أولويات الاستثمار والتطوير في مختلف القطاعات.
الابتكار والتكنولوجيا الأساسية
خلال اجتماع مع المسؤولين المحليين لمناقشة الخطة الجديدة، أكد شي جين بينغ على ضرورة “تحقيق اختراقات جديدة في الابتكار الأصلي، والتفوق على التكنولوجيات الأساسية، وتأكيد الموقع المتقدم في مجالات العلوم والتكنولوجيا”.
التحديات الاقتصادية
يأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه الصين تحديات هيكلية متزايدة، من ضمنها أزمة عقارية مستمرة منذ سنوات، وضعف ثقة المستهلكين، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي مقارنة بمعدلاته التاريخية المرتفعة، وترى القيادة الصينية أن التكنولوجيا ستكون محرك النمو الاقتصادي في العقود المقبلة، من خلال استثمارات مكثفة في القطاعات المتقدمة.
| السنة | هدف النمو الاقتصادي |
|---|---|
| 2023 | أدنى ارتفاع في تاريخ الأهداف الاقتصادية |
تؤكد الوثيقة الحكومية أن مواجهة هذه التحديات تتطلب التركيز على تعزيز القدرات الداخلية للاقتصاد.
منافسة استراتيجية مع الولايات المتحدة
ينتظر أن يستضيف الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأمريكي دونالد ترامب في بكين، لبحث تمديد الهدنة التجارية وتقليص الخلافات، لكن الخبراء يتوقعون استمرار المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم لتبقى السمة الغالبة على العلاقة خلال الفترة المقبلة.
يعتبر دان وانغ أن التعاون بين الصين والولايات المتحدة قد يتراجع في مجالات عديدة، بما في ذلك البحث الأكاديمي والصناعات المتقدمة، وذلك في إطار سعي الطرفين لتقليل الاعتماد على بعضهما البعض.
الصين كداعم للاستقرار الاقتصادي
تحاول بكين أن تظهر كعامل استقرار في الاقتصاد العالمي وسط عدم اليقين، حيث يصف هنري هويياو وانغ، رئيس مركز الصين والعولمة، الصين بأنها دولة تتمتع بتنظيم عالي ورؤية استراتيجية واضحة، مضيفاً أن “الصين المتجددة اليوم تسير بخطى واضحة نحو الأمام عبر خططها الخمسية المتعاقبة”.
الاستثمار في البحث والتطوير
تشمل الاستراتيجية الصينية توسيع الإنفاق على البحث والتطوير، إذ يسهم النموذج الاقتصادي القائم على تدخل الدولة في تسريع تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة في هذا المجال، حيث تعهدت الحكومة بزيادة ميزانية العلوم والتكنولوجيا بنسبة 10% سنوياً، كما حددت هدفًا لزيادة الإنفاق على البحث والتطوير بنسبة لا تقل عن 7% سنويًا.
بحسب تقرير حكومي، تعتبر الصين من الدول الرائدة عالمياً في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والطب الحيوي، والروبوتات، والتكنولوجيا الكمية، وقد حققت تقدماً ملحوظاً في تطوير رقائق إلكترونية محلية.
الذكاء الاصطناعي في الصدارة
يحتل الذكاء الاصطناعي مركز الصدارة في هذه الاستراتيجية، حيث تم ذكره أكثر من خمسين مرة في وثيقة الحكومة، إذ تعتبر الصين أحد اللاعبين البارزين في هذا المجال، وعلى وجه الخصوص في تطوير النماذج اللغوية المفتوحة المصدر، وجذب استثمارات ضخمة في الشركات الناشئة المتخصصة.
لكن طموحات بكين تتجاوز مجرد تطوير روبوتات محادثة، إذ تسعى لبناء منظومات ذكاء اصطناعي متقدمة قادرة على تنفيذ مهام معقدة بشكل مستقل، مما يعرف باسم “الذكاء الاصطناعي الوكيلي”، وتخطط الحكومة أيضاً لإنشاء مراكز حوسبة عملاقة لمعالجة نقص القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
تشير التقديرات الرسمية إلى أن هذه المبادرات يمكن أن تزيد قيمة صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين إلى أكثر من 10 تريليونات يوان (نحو 1.45 تريليون دولار) بحلول عام 2030.
التحديات المستمرة
رغم هذه الطموحات، تبقى الصين تواجه تحديات كبيرة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيات الحساسة مثل صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، إذ فرضت الولايات المتحدة قيوداً صارمة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين، مما أثر بشكل كبير على قدرة الشركات الصينية على تطوير رقائق إلكترونية متطورة، ويشكل هذا تحديًا مباشرًا لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.
ترى كيندرا شيفر، الشريكة في شركة “تريفيوم تشاينا”، أن الصين تعتبر التخلص من الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية ضرورة استراتيجية ملحة، خاصة في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي، ولكنها لا تتوقع في المدى القريب إنتاج رقائق تنافس تلك التي تصنعها الشركات الأمريكية الكبرى كـ “إنفيديا”.
الالتفاف على القيود
تسعى الصين لتحقيق تقدم في مناطق أخرى من سلسلة توريد أشباه الموصلات، أو الاستثمار في تقنيات لم تصل بعد إلى مرحلة النضج، بهدف تحقيق أفضلية تنافسية في المجالات التي لم تُحسم بعد، بدلاً من محاولة اللحاق مباشرة بالتكنولوجيا المتقدمة التي تهيمن عليها الشركات الأمريكية.
أكدت وسائل الإعلام الحكومية الصينية أن طموح الصين في تحقيق السيادة التكنولوجية “لا يقتصر على مجرد اللحاق بالركب”، بل يمتد إلى بناء نظام ابتكار مستقل قادر على تجاوز القيود الحالية.
تعزيز الاقتصاد الداخلي
التركيز المتزايد على الاكتفاء الذاتي يعكس أيضًا الواقع الاقتصادي للصين، إذ اعتمدت البلاد لعقود على دورها كمصنع للعالم، وعلى صادراتها الضخمة لدفع النمو الاقتصادي، لكن الفوائض التجارية الكبيرة التي حققتها أثارت انتقادات من شريكاتها التجاريين، ويعاني الاقتصاد المحلي من تحديات مثل ضعف الطلب الداخلي، وأزمة العقارات، وارتفاع الطاقة الإنتاجية.
يعتبر لين سونغ، كبير الاقتصاديين في بنك “آي إن جي” لمنطقة الصين الكبرى، أن التركيز على الداخل في الخطة الجديدة يظهر إدراك بكين لتزايد الضغوط الخارجية، مضيفًا أن هذه الاستراتيجية “يمكن فهمها كجهد لضمان أن تكون أسس النمو الاقتصادي تحت السيطرة الداخلية بدلاً من الاعتماد على بيئة خارجية مستقرة”.
تبدو الصين إذًا كمن تضع قدمها في “اللعبة الطويلة” في سباق التكنولوجيا العالمي، حيث تسعى إلى بناء نظام ابتكار مستقل ومنافس، حتى في بيئة دولية تتسم بالمنافسة الحادة والقيود المتزايدة.
المصدر: “أقرأ نيوز 24”
