
التضليل الإعلامي باستخدام الذكاء الاصطناعي: أداة إيرانية في ساحة الحرب النفسية
في ظل التصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران، لا يُعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول استخدام طهران للذكاء الاصطناعي في حملات التضليل أمراً مستغرباً أو غير متوقع، فإيران تمتلك سجلاً طويلاً في توظيف العمليات المعلوماتية للتأثير على الرأي العام داخل البلاد وخارجها، سواء عبر البرامج الدعائية أو الهجمات الرقمية. وما نشهده اليوم ليس مجرد استمرار لهذه الأنشطة، وإنما تطور نوعي في أدواتها، وسرعة تنفيذها، واتساع مناطق تأثيرها، مما يبرز أهمية استخدام التكنولوجيا الحديثة في الحروب الرقمية.
تحول أدوات التضليل مع تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي
على مدار السنوات الماضية، اعتمدت إيران على وسائل تقليدية نسبياً مثل الشبكات الوهمية، والهندسة الاجتماعية، وحملات التأثير الرقمية منخفضة التكاليف، لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية، إلا أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يشمل توليد النصوص، والصور، وإنشاء شخصيات رقمية مقنعة، أحدث نقلة نوعية في العمليات الدعائية، حيث أصبح بالإمكان إنتاج محتوى واسع الانتشار بسرعة غير مسبوقة، وبتفاصيل واقعية يصعب تمييزها عن المحتوى الحقيقي.
الاستخدامات المتنوعة للذكاء الاصطناعي في النزاعات الحديثة
لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على إيران فقط، فمثلاً، طورت الولايات المتحدة برنامج “Project Maven” لتحليل البيانات وتحسين دقة تحديد الأهداف، كما استخدم الجيش الإسرائيلي أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل “The Gospel”، لتعزيز عمليات الاستهداف. ولكن، يكمن الفرق الأساسي في أن الدول الغربية توظف هذه التقنيات لتحسين الأداء العملياتي، وزيادة الكفاءة في ساحات القتال، بينما تعتمد إيران على الذكاء الاصطناعي كأداة منخفضة الكلفة، لتوسيع نطاق حرب السرديات، والتأثير النفسي، بشكل غير متكافئ، في إطار استراتيجيات غير تقليدية.
إرث إيران في التضليل الرقمي
لم تبدأ إيران باستخدام الفضاء الرقمي كميدان للصراع مع ظهور الذكاء الاصطناعي، وإنما على مدى أكثر من عقد، عملت على بناء نموذج متماسك من الحرب المعلوماتية، يعتمد على الخداع الرقمي، وانتحال الهويات، واستغلال الثقة البشرية لخدمة أهداف سياسية وأمنية محددة، مما أدى إلى تشكُّل منظومة متكاملة من عمليات التسلل والتأثير.
مجموعات التهديد المستمرة والمخطط لها بشكل احترافي
عند الحديث عن “مجموعات التهديد المستمرة والمتقدمة” في السياق الإيراني، فإن الأمر لا يقتصر على أفراد عزل، بل يتعداه إلى فرق منظمة تعمل على مدى طويل، تستهدف جهات بعينها، وتدمج بين الاختراق التقني، وطرق الهندسة الاجتماعية، بحيث يصبح الفضاء الرقمي أداة مزدوجة: فهي وسيلة لاختراق الأنظمة، ومدخل للوصول إلى دوائر النخبة السياسية، والإعلامية، والبحثية، وذلك قد يخلق بيئة استخبارية أوسع، تُعد جزءاً لا يتجزأ من الصراع المعلوماتي، وليس مجرد نشاط تقني منفصل.
