توظيف الذكاء الاصطناعي في استشراف تحركات المعارضة

توظيف الذكاء الاصطناعي في استشراف تحركات المعارضة

تخيلوا لو أنَّ الحكومة التونسية في عهد الرئيس زين العابدين بن علي كانت على علم، في كانون الأول/ديسمبر 2010، بعواقب قرار بائع الخضار والفواكه محمد البوعزيزي بإحراق نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد بسبب اليأس.

أسفر وفاة البوعزيزي عن اندلاع مظاهرات جماهيرية حاشدة، مما أجبر بن علي على الرحيل عن تونس، وكانت هذه الثورة ملهمة للاحتجاجات في دول أخرى، وأثّرت بشكل جذري على أوضاع الشرق الأوسط.

ولكن، ماذا لو كان النظام التونسي يمتلك أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على اكتشاف مسببات مثل هذه الأحداث مبكرًا؟ قد يكون من الممكن حينها للسلطات منع الاحتجاجات واعتقال قادة الحركة المناهضة قبل أن تتسع نطاقاتهم.

لم يكن لدى نظام بن علي مثل هذه الأدوات، ولكن اليوم بعض الحكومات السلطوية في المنطقة تمتلك تقنيات متقدمة، ومع التقدم السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي، تزداد إمكانية السيطرة على الاحتجاجات السياسية وإجهاضها في مراحل مبكرة.

توقعت منظمة “ConflictForecast.org” عدة احتجاجات وانتفاضات، مثل عصيان مجموعة فاغنر في روسيا عام 2023، والاضطرابات السياسية في فنزويلا.

الذكاء الاصطناعي يغيّر التنبؤ بالنزاعات

يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة يُساء استخدامها لأغراض سلطوية بشكل متزايد، حيث يجمع بين التعلم الآلي والخبرة البشرية للتعرف على إشارات دقيقة تدل على خطر النزاعات في دول لم تشهد حروبًا في الوقت الحالي، وفقًا لكريستوفر راو، أستاذ العلوم الاقتصادية وعلوم البيانات في جامعة كامبريدج ومؤسس منظمة “كونفليكت فوركاست”.

يقول راو: “نخشى من أن فاعلين ذوي نوايا خبيثة قد يسيئون استخدام البيانات، ولذلك لا ننشر توقعات بشأن الاحتجاجات”. ويشير إلى أن النموذج قابل للتعديل، و”يمكننا إعداد مثل هذه التوقعات مع بعض التعديلات البسيطة”. حيث يعتبر الاحتجاج تعبيراً مشروعًا عن الديمقراطية، لذلك لا نقوم بنشر هذه البيانات.

ويشير راو إلى أن النماذج لا تزال غير دقيقة بما يكفي لتسمح للحكومات السلطوية بإساءة استخدامها بسهولة، فهي تعتمد على قيم وسطية، وليست سحرًا. ولكن مع تحسن التوقعات وتوافر بيانات أكثر، تزداد المخاطر.

طريقة عمل منظومات التنبؤ بالنزاعات

تتعلم نماذج الذكاء الاصطناعي من كميات هائلة من البيانات، التي تشمل التقارير الإعلامية ومعلومات من مراقبي النزاعات، مثل منظمة “بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة” (ACLED) غير الربحية، وبرنامج بيانات النزاعات في جامعة أوبسالا. يعتمد النظام أيضًا على مؤشرات اقتصادية وبيانات ديموغرافية، ومعدلات وفيات الأطفال الرضّع، بالإضافة إلى بيانات اتصالات الهواتف المحمولة وحركة الطيران.

من الضروري وجود قاعدة بيانات تاريخية شاملة، ويفضل أن تمتد لأكثر من عقد، لكي يمكن التعرف على الأنماط.

مع ذلك، لاحظ باحثون من معهد آلان تورينج في المملكة المتحدة في آذار/مارس 2025، أنه لا يوجد نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي يمكنه التنبؤ بدقة ببؤر التوتر الجيوسياسية، وذلك بسبب تحديات تشمل القدرة الحاسوبية المحدودة، والبيانات غير المتسقة، وصعوبة التنبؤ بسلوك الأفراد.

على الرغم من ذلك، تكتسب تنبؤات النزاعات وتحليلات المخاطر باستخدام الذكاء الاصطناعي أهمية متزايدة في القطاعين العام والخاص.

في هذا السياق، تحذّر داميني ساتيغا، مدير قسم التكنولوجيا في منظمة العفو الدولية، من مشكلات هيكلية، حيث تقول: “لعمل هذه الأدوات، تحتاج إلى تدريبها باستخدام مجموعات البيانات الموجودة، وبالتالي فإنها قد تعيد إنتاج الأخطاء والشوائب في البيانات الحقيقية”. وتضيف أن هذه الأدوات تعتمد على الافتراض بأن السلوك البشري المعقد يمكن اختزاله إلى مؤشرات بسيطة، وهو افتراض قد أدانه الكثيرون في مجالات متعددة.

الأنظمة السلطوية كرواد محتملين

من المحتمل أن تكون بعض الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط من بين أول من يستخدم توقعات النزاعات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لقمع المعارضة.

كتب الباحث آراش خاني من جامعة مانشستر في مجلة “الدمقرطة”: “الشرق الأوسط عالق منذ فترة طويلة في تضاد بين التكنولوجيا والسلطة السياسية”. حيث توسعت التقنيات، من التعرف على الوجوه إلى التحليلات التنبؤية، بشكل كبير من قدرتهم على المراقبة.

تستخدم دول مثل السعودية والإمارات وإيران ومصر والبحرين تقنيات متطورة لمراقبة المعارضين. تراقب مصر الاتصالات الرقمية، وتُطور عاصمتها الإدارية الجديدة كـ”مدينة ذكية” تحت المراقبة الشاملة. تستخدم السعودية تقنية التعرف على الوجه في مكة والمدينة، وتخطط لتطبيق أنظمة مشابهة في مشاريع مثل مدينة نيوم المستقبلية.

تُعتبر دولة الإمارات من الدول الرائدة في مجال “العمل الشرطي التنبؤي”، حيث تتم فيها تحليل البيانات السابقة لتوقع الجرائم المستقبلية، سواء المتعلقة بأماكن أو أشخاص.

تدير الإمارات العديد من مشاريع “المدن الآمنة” باستخدام تقنيات المراقبة الشاملة وتحليل السلوك. تتيح الموارد المالية والهياكل السياسية دمج هذه الأنظمة على نطاق واسع، دون أي مساءلة عامة.

بعض التقنيات المستخدمة مصدرها الصين، حيث يتم توظيف الذكاء الاصطناعي لتقييد الآراء المعارضة.

تحذر ساتيغا من أنه “عندما ترغب حكومة في العمل ضد المعارضة، فلا يوجد سبب يمنعها من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي”. وتُشير إلى أن الأنظمة الحالية، مثل الشرطة التنبؤية، لها تأثير رادع يجعل الناشطين يخافون التعرف عليهم بسهولة، مما يؤدي إلى الامتناع عن الاحتجاج، قائلة: “أكبر مخاوفنا من البنية التحتية الحالية وقدراتها”.

أعده للعربية: رائد الباش (ع.ج.م)