
غاز تل أبيب يتوقف.. هل تدفع القاهرة فاتورة الحرب على إيران؟
إغلاق حقول الغاز الإسرائيلية وتوقف الضخ إلى مصر يُهدد بفتح فصل جديد من التحديات في قطاع الطاقة المصري، مع تأثيرات مباشرة على قطاعات الكهرباء والصناعة والتصدير، في حين تتجه الحكومة لاتخاذ إجراءات للحد من آثار الصدمة قدر الإمكان.
خلفية قرار الإغلاق وحجم التوقف
أعلنت إسرائيل عن إغلاق عدد من حقول الغاز البحرية، أبرزها حقل ليفياثان، تزامنًا مع تصعيد عسكري أميركي‑إسرائيلي ضد إيران، مع وقف ضخ الغاز إلى مصر إلى أجل غير مسمى، استنادًا إلى بند «القوة القاهرة» في عقود التوريد.
تشير التقديرات إلى توقف حوالي 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا، كانت تُضخ لمصر من حقلي تمار وليفياثان، وهي كميات تلعب دورًا مهمًا في تلبية احتياجات مصر خلال فترات الذروة.
يمثل الغاز الإسرائيلي حوالي 15 إلى 20 في المئة من استهلاك مصر في أوقات الذروة، الأمر الذي يجعل أي انقطاع مفاجئ يشكل عبئًا على منظومة الطاقة، خاصة خلال الصيف، حيث يزداد الطلب على الكهرباء بشكل كبير.
سبق أن تعرضت الإمدادات لهزات خلال حرب غزة عام 2023، عندما أدى إغلاق حقل تمار إلى تقليل واردات مصر من الغاز الإسرائيلي إلى نحو 150‑200 مليون قدم مكعب يوميًا، مما أظهر هشاشة الاعتماد على هذا المصدر.
تأثير مباشر على الكهرباء ومحطات الإسالة
يعني توقف الغاز الإسرائيلي فقدان «هامش أمان» كانت مصر تعتمد عليه في إدارة الأحمال الكهربائية، خاصة أن محطات التوليد التي تعتمد على الغاز تحتاج إلى إمدادات مستقرة لتفادي تخفيف الأحمال أو اللجوء إلى وقود بديل، وهو غالبًا أعلى تكلفة وأقل كفاءة.
تحذّر تقارير متخصصة من أن استمرار الحالة قد يدفع إلى تشغيل بعض المحطات باستخدام وقود سائل مثل المازوت أو السولار، مما يرفع من تكلفة الدعم ويؤثر على الموازنة، بالإضافة إلى زيادة انبعاثات الملوثات مقارنة باستخدام الغاز الطبيعي.
أما على مستوى صادرات الغاز الطبيعي، فتعد محطتا إدكو ودمياط من أهم الأصول الاستراتيجية في قطاع الطاقة بمصر، بقدرة إجمالية تتجاوز 12 مليون طن سنويًا، وقد اعتمدتا خلال السنوات الأخيرة على جزء كبير من الغاز الإسرائيلي لإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية.
أي نقص في الغاز المتوفر لتلك المحطات يؤدي حتمًا إلى تقليل الشحنات المصدرة، أو إعادة جدولتها، مما يقلل من العوائد النقدية الأجنبية المطلوب دفعها، خاصة في ظل الحاجة الماسة للعملة الصعبة.
الضغط على القطاع الصناعي والاقتصاد الداخلي
تتجاوز تبعات توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي حدود قطاع الكهرباء، لتطال قطاعات صناعية كثيفة الاستهلاك، وعلى رأسها الأسمدة والبتروكيماويات، حيث يُعد الغاز مادة خام أساسية، وتصل نسبة الاعتماد على الغاز في هذه المصانع إلى أكثر من 85 في المئة.
تجربة مايو 2025 أظهرت كيف يمكن أن يؤدي توقف الإمدادات لبضعة أسابيع إلى اضطرابات في سوق الأسمدة، وارتفاع الأسعار داخليًا، وتراجع الصادرات، الأمر الذي يضغط على الاقتصاد بشكل كبير.
وفي ظل عودة مصر منذ عام 2024 إلى وضع «مستورد صافٍ للغاز المسال»، يتطلب توقف الغاز الإسرائيلي إجراءات عاجلة، أولها تأمين إمدادات لضمان استقرار الكهرباء، يلي ذلك الحفاظ على إمدادات الغاز للصناعة، مع مواجهة تحدي ارتفاع تكاليف الاستيراد من السوق العالمية.
وفي حال استمر التوقف لفترة طويلة، قد تتجه الدولة إلى توسيع وارداتها من الغاز المسال بأسعار أعلى، مما يهدد الاحتياطي من العملات الأجنبية، ويرفع تكاليف الإنتاج الصناعي، مع إمكانية انتقال جزء من هذه التكاليف للمستهلك النهائي.
خيارات القاهرة وخريطة الطاقة الإقليمية
وفي مواجهة هذه التحديات، تتجه الجهات المختصة في مصر إلى تفعيل خطط الطوارئ، وتعديل ترتيب الأولويات في توزيع الغاز بين محطات الكهرباء والصناعة، بالإضافة إلى السعي لاستقدام شحنات إضافية من الغاز المسال، مع إعطاء أولوية لعدم تفاقم انقطاعات الكهرباء.
كما يُعول على تعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي من حقول، مثل ظهر، وتسريع عمليات تطوير حقول جديدة بالبحر المتوسط والدلتا، بهدف تقليل الاعتماد على الغاز الإسرائيلي على المدى المتوسط.
وفي الوقت ذاته، يبرز التوقف المتكرر عن الإمدادات هشاشة منظومة الطاقة في المنطقة، حيث أصبح الغاز أداة ضغط تتأثر بالتطورات الأمنية والسياسية، من حرب غزة سابقًا، إلى التصعيد الحالي مع إيران.
ويؤكد ذلك على ضرورة تنويع مصادر الإمداد الإقليمي لمصر، سواء عبر إبرام اتفاقات مع دول أخرى منتجة، أو من خلال الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على مصدر واحد قد يتعرض للاهتزاز.
سيناريوهات المدى القريب على مصر
يرجح خبراء أن تكون آثار التوقف الفوري أكثر وضوحًا في زيادة الضغط المالي، وتقليل مرونة إدارة الأحمال الكهربائية، بدلًا من وجود خطر حقيقي لحدوث عجز شامل في الغاز، خاصة مع وجود قدرات محلية وخيارات لاستيراد الغاز المسال، وإن كانت بتكاليف أعلى.
لكن إذا استمر التوقف لفترة طويلة، فقد تضطر الحكومة لمراجعة سياسات دعم الطاقة، وجدولة صادرات الغاز المسال، وربما فرض قيود على بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك خلال أوقات الذروة، وهو ما قد ينعكس على معدلات الإنتاج والتوظيف.
وفي المجمل، يكشف إغلاق حقول الغاز الإسرائيلية عن الثمن الذي تدفعه مصر نتيجة اعتمادها المتزايد على مصدر خارجي وحيد لملف استراتيجي مثل الطاقة، ويضع قضية أمن إمدادات الطاقة في صلب النقاشات الاقتصادية والسياسية خلال المرحلة القادمة.
