
مخاوف الانقسام تتصاعد في السودان مع ترسيخ واقع حكومتين
مع دخول عام 2026، بينما يحتفل السودانيون – نظرياً – بمرور سبعين عاماً على استقلالهم، تواجه فكرة “الدولة” امتحاناً وجودياً قاسيًا، فالحرب التي استمرت طويلاً أدت إلى تدمير البنية التحتية، وأنتجت واقعًا سياسيًا جديدًا يتمحور حول صراع بين سلطتين متنازعتين على الشرعية، والأراضي، مما يغذي التعبئة العسكرية، وخطاب الكراهية، الذي يعيق العودة إلى صيغة وطنية واحدة.
في خطاب الاستقلال، سعى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إلى استعادة قيم “الوطن والمواطنة”، وفتح حوار حول “المصالحة الوطنية”، لكنه أكد على استمرار القتال حتى النصر، بينما طرح رئيس وزراء الحكومة الموازية في نيالا، محمد الحسن التعايشي، رؤية قائمة على “إعادة تأسيس الدولة”، من خلال عقد اجتماعي جديد، ونظام حكم لامركزي، وجيش موحد.
رئيس وزراء حكومة “تأسيس” الموازية، محمد حسن التعايشي، (صفحة مكتبه على “فيسبوك”).
بين هذين الخطابين، اللذين يبدوان ظاهرياً حرصين على وحدة السودان، يتجلى ملف مقلق يتمثل في احتمال أن تؤدي الحرب إلى انقسام بحكم الواقع، يتطور إلى تفكيك شامل، خاصة في ظل الذاكرة الجماعية التي لا تزال تحمل تجربة انفصال جنوب السودان.
معسكران متنافسان
على الأرض، أعلن التحالف الذي تقوده “الدعم السريع” تشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها، وعين مجلسًا رئاسيًا يترأسه قائد “الدعم السريع”، محمد حمدان دقلو، مع رئيس وزراء هو محمد الحسن التعايشي، بينما يسعى المعسكر المرتبط بالجيش إلى ترسيخ وجوده في بورتسودان كسلطة معترف بها دولياً، مما يحول الأزمة من مجرد صراع عسكري على العاصمة أو مفاصل الدولة إلى منافسة مباشرة على تمثيل الدولة نفسها.
نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، والقيادي بتحالف “صمود”، خالد عمر يوسف، (صفحته على فيسبوك).
في مواجهة هذه المخاوف، حذر القيادي البارز في تحالف القوى المدنية الديمقراطية “صمود”، خالد عمر يوسف، من تقديم سردية “الخيار العسكري” كضمانة للوحدة الوطنية، واعتبر وصف الحرب بأنها وسيلة لحماية السيادة “من أكبر الأكاذيب المتداولة”، متوقعًا، في حديث بث عبر منصته، أن تكون النتيجة الفعلية لاستمرار الحرب هي “تآكل الدولة، وتعدد مراكز القرار، وترسيخ إدارتين متوازيتين”، مشدداً على أن كل يوم إضافي من القتال يعمق الانقسام.
ويرى أن جذور الأزمة تكمن في “تعدد الجيوش، ووجود قوتين عسكريتين متوازيتين”، مؤكدًا أن حل هذا الوضع لا يتم عبر شعارات كـ”حل هذا الجيش أو ذاك”، بل عبر اتفاق سياسي تفاوضي يضع آليات واضحة للدمج والتوحيد، أو من خلال حسم عسكري بالقوة، وهو خيار يراه غير مرجح، مؤكدًا أن الرهان على الحسم العسكري “لن يصنع جيشاً واحداً”، بل ربما يؤدي إلى مزيد من التشظي، وسط انتشار السلاح، وتكاثر الجماعات المسلحة، وتعقد المسارات.
سلطات ولاية الخرطوم تقوم بتدريب آلاف الجنود في منطقة أم بدة غرب أم درمان لمساعدة القوات المسلحة، 15 ديسمبر (أ.ف.ب).
كما حذر من أخطار متعددة تواجه البلاد، من بينها تحول الحرب إلى صراع ينطوي على طابع جهوي، تغذيه الكراهية، والفراغ الأمني، وتعدد القوى المسلحة، إلى جانب الامتدادات الإقليمية والدولية، وظهور دعوات انفصالية داخل دولة هشة، مما قد يؤدي إلى كيانات ضعيفة وغير مستقرة.
ولا تأتي هذه المخاوف من فراغ؛ إذ ربطت وكالات وتقارير دولية بالفعل بين قيام سلطتين متوازيتين وخطر التشظي، على غرار نماذج دول منقسمة، حيث ذكرت وكالة “رويترز” في 31 يوليو (تموز) الماضي أن وجود حكومتين “يعمق مسار الانقسام بحكم الأمر الواقع في البلاد”.
سيناريوهات التقسيم
أما الصحافية رشا عوض، فتذهب إلى جوهر الفكرة، معتبرةً أن الحروب الطويلة نادراً ما تؤدي إلى “نصر حاسم”، بل تفتح الباب أمام “سيناريوهات التقسيم”.
وتوضح أن التقسيم الإداري أصبح واقعًا فعليًا، حيث تسيطر قوى مسلحة على أقاليم كاملة، وتديرها بشكل شبه مستقل عن الدولة المركزية، محذرة من أن استمرار الحرب قد يحوّل هذا الواقع إلى تقسيم كامل، قائلة: “إطالة القتال تعني ترسيخ هذا الوضع”.
قوات تابعة لـ”الدعم السريع” في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، (أ.ف.ب).
وترى عوض أن أي تقسيم محتمل لن يكون سلميًا، بل سيكون “دمويًا وغير قابل للاستقرار”، مضيفة: “حتى إذا انفصل إقليم، فلن يستقر بمفرده، لأن التناقضات الداخلية – كما في حالة دارفور – قد تكون أعمق من تناقضاته مع المركز، مما يجعل الانفصال مدخلاً لتفكك داخلي، وليس لحل سياسي”. وتؤكد عوض لـ”الشرق الأوسط” أن البيئة الإقليمية الحالية تضاعف المخاطر، مشيرة إلى أن الإقليم “يغلي”، وأن اندلاع صراع إقليمي أوسع في ظل استمرار الحرب قد يحوله إلى ساحة لحرب إقليمية أكبر، تمدد أمد القتال، وتعمق الآثار، وتدفع البلاد نحو التفكك، خاصة مع وجود حلفاء إقليميين متنافسين لكل طرف عسكري.
وترتبط الحرب بما تصفه بـ”حالة الانقسام النفسي والاجتماعي المتزايدة”، الناتجة عن خطاب الكراهية، حيث تقول: “القتال ضخ مستويات عالية من التحريض تجاه أقاليم ومكونات معينة”، مضيفة أن غياب مشروع وطني للتعافي، والمصالحة، والعدالة الانتقالية يعزز منطق “نحن الخير المطلق، وهم الشر المطلق”، مما يجعل قبول السودانيين لبعضهم أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
دولة البحر والنهر
ويتقاطع الانقسام النفسي والاجتماعي مع مظاهر فرز اجتماعي بدأت تظهر في اللغة اليومية بين مؤيدي الطرفين، موضحة عوض: “الأمر لا يقتصر على ضجيج سياسي، بل يمثل شرطاً نفسياً يمهد لقبول الانقسام كحل، أو على الأقل للتعايش معه كقدر”. وفي هذا السياق، تتداول بعض منصات التواصل الاجتماعي دعوات صريحة لفصل إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، وسط خطاب كراهية لا يعفي حتى حلفاء الجيش، حيث ظهرت مفردات مهينة مثل “عرب الشتات”، و”أم كعوكات”، و”لا يشبوننا”، وغيرها، كما برزت دعوات لإقامة دولة باسم “البحر والنهر”، تضم وسط السودان، وشماله، وشرقه، مصحوبة بخطاب يقوم على النقاء، والتمييز العرقي، وتداول معلومات عن وجود ما يسمى “قانون الوجوه الغريبة”.
يستعيد السودانيون ذكريات الاحتفال بذكرى الثورة في ديسمبر 2018 (أ.ف.ب).
خلاصة ما يجمع بين تحذيرات خالد عمر يوسف، وتحليل رشا عوض، تكمن في أن الحل لا يوجد في ترديد شعار “الوحدة”، بل في إيقاف ديناميكيات الانقسام قبل أن تتصلب، وذلك من خلال وقف فوري للحرب، ومنع تحويل السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية، فما يشهده المواطنون الآن يؤكد أن مخاوف الانقسام لم تعد مجرد توقعات نظرية، بل أصبحت واقعًا يتعقد كلما طال أمد الحرب، وفي ظل وجود سلطتين متنازعتين، وسلاح خارج السيطرة، وتصدع اجتماعي عميق، فإن العودة إلى المشترك الوطني تتطلب انتقالًا عاجلاً من منطق “إدارة الحرب” إلى منطق “إنقاذ الدولة”، حتى يتمكن السودانيون من ترديد نشيدهم المحبوب مجددًا: “اليوم نرفع راية استقلالنا”.
