
تاريخ النشر : 19 مارس 2026 – 22:00
نعيمة البويغرومني
تغير معادلة السؤال في المغرب: من يضمن حماية المواطن من ارتفاع الأسعار؟
لم يعد السؤال في المغرب اليوم يدور حول سبب ارتفاع الأسعار فحسب، بل أصبح يتكرر حول من يتحمل مسؤولية حماية المواطنين من هذا التضخم. فكل مرة ترتفع فيها أسعار المحروقات، تتعدى تأثيراتها حدود محطات الوقود، وتمتد بسرعة إلى مختلف جوانب الحياة اليومية؛ فمن النقل يكثر، والخضر تتصاعد أسعارها، واللحوم تبتعد عن متناول الكثير، والخدمات تعيد تسعير نفسها بشكل صامت، حتى تتحول حالة الاستهلاك اليومي إلى عبء ثقيل، ومعركة صامتة يخوضها المواطن الوحيد.
السوق يُترك لنفسه والمواطن يدفع الثمن
ما يثير القلق أكثر، ليس فقط وتيرة التضخم، بل الإحساس المتزايد بأن السوق تُخلع منه مسؤوليتها، وتُترك بلا حماية كافية، وبغياب الشفافية التي تطمئن الناس. فعندما تتوقف بعض محطات الوقود عن البيع انتظارًا لسعر أعلى، أو تختفي بعض السلع أو تقل بشكل غير مبرر في الأسواق خلال لحظات حرجة، فإن الأمر يتجاوز منطق العرض والطلب ليصعد بسقف التساؤلات: من يحمي هذا السوق؟ ومن يضمن حماية المواطن بداخله؟
الغلاء أصبح واقعًا يوميًا يثقّله ويهدد قوت الناس
لم يعد ارتفاع الأسعار في المغرب مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل أصبح واقعًا يوميًا يثقل تفاصيل حياة الناس، ويعيد تشكيل علاقة المواطن بقوة شرائه. فعندما ترتفع بشكل مفاجئ أسعار المحروقات، بزيادات تقارب درهمين مرة واحدة، تكون العواقب أوسع من مجرد ارتفاع الأسعار، فهي تمتد لتشمل النقل، الخضر، اللحوم، والخدمات. وفي النهاية، فإن القفة اليومية تتحول إلى معركة صامتة، تلاحقها من أجل تأمين لقمة العيش.
ممارسات السوق تثير الشكوك وتفاقم الأزمة
والأخطر، ليس فقط في الزيادات ذاتها، بل في الممارسات التي تواكبها، وتثير الكثير من التساؤلات. حيث تتوقف بعض محطات الوقود عن التزويد لساعات، أو تمتنع عن البيع في انتظار تسعير جديد، فهل يُعقل أن يكون هذا تدبيرًا عاديا للسوق، أم هو نوع من المضاربة المقنّعة لتحقيق أرباح إضافية على حساب المواطن، الذي لا يملك خيار الانتظار؟
صور المعاناة تظهر جلية في السوق
وفي الأسواق، تتجلى الصورة بأوضح أشكالها: وجوه مرهقة، وعيون مليئة بالقلق، ودموع يذرفها رجال ونساء يقفون أمام صناديق الخضر ليس بهدف الاختيار، بل بحثًا عن بقايا تكفي ليوم آخر. تعفف كبير يخفي ألمًا أعمق، حتى صار التسوق من أكثر اللحظات قسوة في الحياة اليومية، وأصبح يُعتبر من أصعب الأوقات على الكثيرين.
أسعار المواد تقفز وتتحول إلى حلم للأثرياء
كيف يمكن تفسير وصول سعر “الخس” إلى عشرة دراهم، أو أن يتحول السمك، في بلد البحر، إلى طبق للأثرياء فقط، وأن يتحول الكبد إلى حلم، بدل أن يكون وجبة في متناول الجميع، والدجاج يرتفع، والبيض يُحسب بالحبة، والزيت يُشترى بحذر، والخُبز لا يخلو من تغيّر صامت؟
اختلال السياسة الفلاحية الوطنية يفاقم الأزمة
ولكن الواقع في السوق لا يمكن فصله عن اختلالات أعمق، خاصة في ما يخص السياسة الفلاحية. حيث يبدو أن التوجه نحو التصدير غالبًا يسبق تلبية الاحتياجات الداخلية، رغم أن المغرب بلد زراعي غني بموارده، ومع ذلك، يعاني مواطنوه من لهيب الأسعار. فـ “البصل” على سبيل المثال، كان رمزًا للوفرة والبساطة، لكنه أصبح مادة تتقلب أسعارها بين ارتفاع مفاجئ ونقص في العرض، رغم استمرار قنوات التصدير. فكيف يُعقل السماح بتصدير منتجات من بلد يعاني من نقص في السوق الداخلي؟ من يتحمل كلفة هذا الاختلال إلا المواطن البسيط الذي يُحاصر في معركة لاتنتهي؟
مسؤولية الحكومة وأزمة الثقة
كل هذه المؤشرات توصلنا إلى سؤال أكبر، وهو: من المسؤول عن تلك الحالة؟ المسؤولية واضحة وبلا لبس على عاتق الحكومة، التي لا يجب أن تقتصر على أرقام تظهر على الورق، بل فاعل رئيسي في بناء الثقة، وتجسيد المصداقية في أوقات الأزمات. لكن، عندما يخرج المسؤولون بتصريحات بعيدة عن الواقع، ويتم تقديم أرقام غير مطابقة للواقع المعيشي للمواطنين، فإنها تتحول إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل، وتزيد من فجوة الثقة التي تتآكل يوماً بعد يوم.
تحدي إدارة الأزمة وغياب الشفافية
أليس هذا هو الاختبار الحقيقي للحكومة؟ أن تُقنع، تُفسر، وتتحمل مسؤوليتها كاملة؟ فأسوأ ما في الأزمات هو غياب الوضوح، الذي يثير الشكوك، وتغليب الرغبة في التغطية على الحقيقة، التي تضر بمصداقية الدولة. فبالرغم من تعقيدات الظروف الدولية وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني، إلا أن ذلك لا يجب أن يكون مبررًا دائمًا للجمود أو إصدار تصريحات مبهمة، لا تلامس الواقع الصعب الذي يعيشه المواطنون. فقد أطلقت المغرب برامج اجتماعية مهمة، بقيادة الملك محمد السادس، ترتكز على تعزيز الحماية الاجتماعية وتقليل الفوارق، لكن ذلك لا يعفي الحكومة من القيام بدورها في مراقبة السوق، ومراجعة السياسات الزراعية، وتوجيه المنتجات لحيّز الاستهلاك الداخلي، ومحاربة المضاربات بكافة أشكالها، وتقديم خطاب صادق يعيد بعض الثقة المفقودة.
الامتحان الحقيقي للحكومة في حماية الاقتصاد والمواطنين
وفي النهاية، لم يعد التضخم وموجات الارتفاع مجرد أرقام، أو ظاهرة عابرة، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الحكومة على الحفاظ على توازن المجتمع، وصون كرامة المواطن. فعندما تُترك الأسواق تتحكم في الأسعار، وتُغيب الحقيقة، تتآكل الثقة، ويُهدر الدخل، وتضعف الأواصر. فإذا كان المواطن يشعر بأن قوته الشرائية تتلاشى، وأنه يقف بمفرده أمام سوق لا ضابط لها، ولا خطاب يطمئنه، فإن السؤال لا يُطرح فقط على المستوى الاقتصادي، بل يتعداه إلى مسؤولية حماية المواطن، والحد من جشع يتغذى على الأزمات، واستعادة السوق لمعناها الطبيعي كمكان للعيش، لا مكانًا للقلق.
الأوطان تقاس قدر حمايتها لمواطنيها
فالأوطان ليست فقط بما تنتجه، بل بما تحميه أيضًا. وإذا كان من الممكن أن يرتفع كل شيء، فإن حماية جيوب المغاربة، وكل ما يخص عيشهم، يجب أن تكون أولوية، ولا يجب أن تكون مسألة قابلة للمساومة. والسؤال الأهم يبقى: من يحمي جيوب المغاربة؟
