
تُزعزع التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط أسواق الطاقة العالمية، ملايين البراميل من النفط مُعرّضة لخطر التجميد، وترتفع تكاليف النقل يومياً، مما يُثير قلق الشركات والمستهلكين.
انتقال نحو الطاقة المتجددة
مع ذلك، يكمن وراء هذه الصدمة السعرية تحول هائل في تدفقات رأس المال، فقد أصبحت اضطرابات سلاسل التوريد، دون قصد، المحفز الأقوى، مما يسرع الانتقال إلى الطاقة المتجددة ويعزز معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية على مستوى العالم.
تساهم الصراعات في الشرق الأوسط في تعزيز الطاقة المتجددة، والسوق “متعطشة” للنفط وتواجه صدمة تاريخية في الإمدادات.
التغيرات في سوق النفط
بحسب صحيفة تايمز أوف إنديا، يشهد سوق النفط العالمي تبايناً غير مسبوق، حيث ترتفع أسعار النفط الفورية بوتيرة أسرع بكثير من أسعار العقود الآجلة في البورصات.
| السلعة | السعر (دولار للبرميل) |
|---|---|
| خام برنت | 112 |
السبب الرئيسي هو التهديد بإغلاق مضيق هرمز، وهو شريان حيوي لقطاع الطاقة، والجدير بالذكر أن سعر النفط الخام المستخدم في تكرير البنزين والديزل ووقود الطائرات أعلى بكثير، وتدفع مصافي النفط في آسيا علاوات باهظة للحصول على الإمدادات من مناطق بعيدة لتعويض النقص الحاصل.
علّق جيف كوري، مدير استراتيجية الطاقة في مجموعة كارلايل، في صحيفة تايمز أوف إنديا، قائلاً إن سوق العقود الآجلة قد انفصل تماماً عن السوق الفعلي، وأكد أن العالم يواجه صدمة هائلة في الإمدادات.
يتزايد تأثير هذا الارتفاع في الأسعار في جميع أنحاء الاقتصاد الحقيقي، بدأت شركات الشحن في إضافة رسوم إضافية على الوقود، بينما تحذر شركات الطيران الأوروبية من أنها ستنقل التكلفة المتزايدة لوقود الطائرات إلى أسعار تذاكر الطيران.
في الولايات المتحدة، اقتربت أسعار البنزين من 4 دولارات للغالون، بينما تجاوز سعر الديزل 5 دولارات للغالون، وأوضح بافيل كفيتن، الرئيس التنفيذي لشركة جيرتيكا لوجستيكس، أن تقلبات سوق الطاقة تؤثر بشكل فوري تقريباً على تكاليف التشغيل، حيث يمثل الوقود ما يصل إلى 30% من إجمالي نفقاتهم.
الأضرار البيئية والعواقب الاقتصادية
ارتفعت أسعار البنزين في العديد من البلدان بشكل حاد بسبب صدمات العرض، إلى جانب الأضرار الاقتصادية المدمرة، دقّ الصراع في الشرق الأوسط ناقوس الخطر بشأن كارثة بيئية، فبحسب صحيفة الغارديان، تسببت الغارات الجوية وحرق البنية التحتية النفطية، في غضون الأسابيع القليلة الأولى فقط، في إطلاق ملايين الأطنان من غازات الاحتباس الحراري، مما أدى إلى استنزاف سريع لميزانية الكربون العالمية.
أثر هذا الواقع القاسي بشكل فوري على سوق تداول الانبعاثات، وأظهر تقرير صادر عن مؤسسة ستاندرد آند بورز العالمية أن سعر أرصدة الكربون في برنامج مزاد مبادرة الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الإقليمية في الولايات المتحدة الأمريكية قد ارتفع إلى مستوى قياسي بلغ 24.99 دولاراً أمريكياً لكل رصيد، أي بزيادة قدرها 31% عن السعر المعتاد.
أصبحت الانبعاثات الهائلة من بؤر الصراعات أوضح دليل على مخاطر الوقود الأحفوري، وبالتالي تعمل كحافز لإجبار المستثمرين على تسريع تحويل رأس المال بشكل حاسم نحو الطاقة الخضراء ومعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية.
تدفقات رأس المال والطاقة المتجددة
أصبحت هشاشة سلسلة إمداد الوقود الأحفوري الدافع الأكبر للدول لتسريع عملية تطبيق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، ووفقاً لمؤسسة ستاندرد آند بورز العالمية، فإن الضباب الذي يخيّم على الشرق الأوسط قد كشف عن نقطة ضعف أوروبا وآسيا في اعتمادهما على الطاقة المستوردة.
في آسيا، بات التحول في قطاع الطاقة أولوية ملحة للاقتصاد والأمن القومي على حد سواء، وتتميز سلاسل إمداد الطاقة المتجددة بانخفاض تأثرها بالصدمات الجيوسياسية، وذلك بفضل استثمارها لمرة واحدة وانخفاض تكاليف تشغيلها.
تستغل الصين هذه الفرصة بسرعة، وقد حققت مجموعة إنفيجن إنرجي مؤخراً إنجازاً هاماً بتصديرها بنجاح أول شحنة من الأمونيا الخضراء إلى كوريا الجنوبية، ووصلت طاقة مصنعها في تشيفنغ إلى 320 ألف طن سنوياً، مستهدفةً بذلك عملاء رئيسيين في آسيا وأوروبا.
في الوقت نفسه، تسجل الهند نمواً قياسياً في مجال الطاقة النظيفة، ورغم مواجهة عقبات مثل ازدحام الشبكة، فإن وفرة رأس المال والطلب المتزايد على الكهرباء يساعدان البلاد على تسريع نموها.
بحسب تحليل أجراه لوكاس وايت من صندوق GMO على موقع مورنينغ ستار، فإن الصدمة الحالية في العرض قد تُقلب توقعات السوق رأسًا على عقب، فبدلًا من القلق بشأن فائض النفط، يواجه العالم الآن خطر تضخم أسعار الطاقة.
مهّد هذا الأمر، دون قصد، الطريق أمام طفرة في مجال الطاقة المتجددة، قبل عام 2025، كان توجه السوق نحو هذا القطاع سلبياً للغاية، أما الآن، فإن الطلب الهائل على الكهرباء من مراكز البيانات والمركبات الكهربائية يُجبر الدول على تغيير مسارها.
فرص للمستثمرين
لقد أثبت التاريخ أن كل صدمة في أسعار النفط تُحدث تغييرات جوهرية، فبحسب مقال نُشر في مجلة “إيكو-بزنس”، أعادت أزمتا عامي 1973 و1979 تشكيل نظام الطاقة، مما أدى إلى ظهور معايير صارمة لكفاءة استهلاك الوقود.
من المتوقع أن تؤدي التوترات الحالية حول مضيق هرمز إلى تسريع وتيرة تحويل مسار النفط بوتيرة غير مسبوقة، وإذا استمرت الأسعار المرتفعة، فسيواجه الطلب على النفط ضغوطاً كبيرة نحو الانخفاض مع تغيير المستهلكين لأنماط استهلاكهم.
من المتوقع أن تُسرّع الصين إنتاج السيارات الكهربائية محلياً وتعزز صادراتها العالمية، ومع ازدياد استخدام الكهرباء في قطاع النقل، قد ينتهي عهد أسعار النفط التي تتجاوز 100 دولار للبرميل نهائياً.
يتوقع الخبراء في شركة Eco-Business أن تصبح الطاقة المتجددة المصدر المهيمن للإمدادات قبل عام 2030، وفي ذلك الوقت، قد تنخفض أسعار النفط إلى 40-60 دولاراً للبرميل في العقد المقبل، ليس بسبب فائض العرض، ولكن لأن النفط فقد مكانته المهيمنة.
بالنسبة للمستثمرين الأذكياء، تُعدّ هذه فرصة ذهبية لإعادة هيكلة محافظهم الاستثمارية، ويُشيد الخبير لوكاس وايت من شركة GMO بمصنعي بطاريات الليثيوم مثل ألبيمارل وSQM.
يشهد تخزين الطاقة نمواً سنوياً يقارب 100%، ويُصبح الليثيوم سريعاً “العمود الفقري” لأنظمة الطاقة الجديدة، مما يُساعد على استقرار الشبكة مع ازدهار مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
مع ذلك، على المدى القريب، ستستفيد شركات الوقود الأحفوري التقليدية في المناطق الآمنة مثل بتروبراس وكوزموس إنرجي بشكل كبير، وقد يتجاوز تدفقها النقدي الحر 20% بفضل استمرار ارتفاع أسعار النفط.
المصدر:
