لص خفي يتسلل إلى حسابك البنكي.. هل تحوّل الادخار إلى فخ اقتصادي؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يتسلل إلى حسابك البنكي كل يوم دون أن تراه، ويغادر حاملا معه جزءا من أموالك دون حاجة إلى ارتداء قناع أو كسر قفل، لتجد نفسك في حيرة من أمرك: كيف تقلصت قيمة أموالك رغم أنك كنت تدخر عاما بعد عام؟

إنه التضخم، اللص الصامت الذي أعاد طرح تساؤل بدا لسنوات طويلة محسوما، يتعلق بمدى كفاية الادخار وحده لحماية الثروة في عالم تتغير فيه الأسعار والأسواق وأنماط الحياة بوتيرة متسارعة، وفقا لـ «أرقام» ويستند إلى بيانات من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك المركزي الأوروبي.

هذا التساؤل لم يعد نظريا، فالأسر حول العالم تواجه واقعا اقتصاديا جديدا يجعل الموازنة بين الادخار والإنفاق والاستثمار أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

وبينما يرى البعض أن الاحتفاظ بالمال هو خط الدفاع الأول ضد الأزمات والمفاجآت، يعتقد آخرون أن الأموال التي تبقى ساكنة قد تكون الخاسر الأكبر في زمن تتغير فيه قيمة كل شيء تقريبا.

وبين هذين الرأيين، يبرز سؤال يهم ملايين الأفراد حول العالم: هل لا يزال الادخار خيارا عقلانيا، أم أن قواعد اللعبة المالية تغيرت؟

لغز الحصالة الممتلئة رغم العواصف

بعد انتهاء جائحة كورونا، توقع كثير من الاقتصاديين أن تتراجع معدلات الادخار بشكل حاد مع عودة النشاط الاقتصادي، إلا أن البيانات أظهرت صورة أكثر تعقيدا. وأوضح البنك المركزي الأوروبي أن معدل ادخار الأسر في منطقة اليورو ظل عند مستويات مرتفعة مقارنة بالفترة السابقة للجائحة، حيث بلغ 14.4% من الدخل المتاح للأسر خلال الربع الرابع من عام 2025، متراجعا بشكل طفيف من مستويات أعلى سجلت بفترات سابقة.

ويرى خبراء البنك المركزي الأوروبي أن حالة عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة دفعا العديد من الأسر إلى الاحتفاظ باحتياطيات مالية أكبر مما كان معتادا قبل الجائحة، كما ساهمت زيادة الدخول الحقيقية في بعض الدول الأوروبية في الحفاظ على مستويات ادخار مرتفعة نسبيا، وتظهر هذه الأرقام أن الادخار لم يعد مجرد وسيلة لتحقيق أهداف مستقبلية مثل شراء منزل أو تمويل التقاعد، بل أصبح أداة لإدارة المخاطر في بيئة تتسم بعدم اليقين.

تآكل صامت للقوة الشرائية

كان الادخار النقدي لعقود طويلة وسيلة آمنة للحفاظ على القيمة، لكن موجات التضخم التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة جعلت تلك القاعدة الراسخة موضع شك مع انخفاض القوة الشرائية للأموال مقابل العائد على المدخرات، ووفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لاتزال مستويات الأسعار في العديد من الاقتصادات المتقدمة أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة، رغم تباطؤ معدلات التضخم مقارنة بذروتها السابقة، وارتفع متوسط مستويات الأسعار في دول المنظمة بنحو 36% مع نهاية عام 2025 مقابل نهاية عام 2019، رغم تراجع التضخم عن ذروته التي سجلها بعد الجائحة.

وبمعنى آخر، فإن مبلغا قدره 100 دولار كان يشتري سلة معينة من السلع والخدمات قبل الجائحة، أصبح يحتاج إلى نحو 136 دولارا لشراء السلة نفسها.

هل أصبح الاستثمار

بديلا عن الادخار؟

يطرح هذا السؤال كثيرا في ظل الأداء القوي لبعض الأصول خلال السنوات الأخيرة، لكن العديد من الخبراء يرفضون النظر إلى الادخار والاستثمار باعتبارهما خيارين متنافسين، فالادخار يوفر السيولة والأمان، بينما يوفر الاستثمار فرص النمو وتحقيق العوائد، وقد أبرزت السنوات الأخيرة مخاطر كلا الخيارين، فالمستثمرون الذين دخلوا الأسواق في فترات التقييمات المرتفعة تعرضوا أحيانا لخسائر كبيرة عند حدوث التصحيحات.

في المقابل، واجه أصحاب المدخرات النقدية تآكلا في القوة الشرائية خلال فترات التضخم المرتفع، في النهاية، لم يعد السؤال المطروح ما إذا كان الادخار جيدا أو سيئا، بل ما الدور الذي يجب أن يؤديه في عالم تغيرت قواعده، فالتجارب الحديثة، من أوروبا إلى الصين، تظهر أن الأفراد لم يتخلوا عن الادخار رغم التضخم وتقلبات الأسواق، بل أعادوا تعريف وظيفته. لم يعد الادخار وسيلة لتنمية الثروة بقدر ما أصبح خط الدفاع الأول عنها، بينما تولت أدوات أخرى مهمة البحث عن العوائد والنمو.

وربما يكون الدرس الأهم أن «اللص الخفي» الذي يتسلل إلى الحسابات البنكية لم ينجح في إلغاء الحاجة إلى الادخار، بل أجبر الأفراد على التفكير بطريقة مختلفة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق