مصر تواصل جذب الاستثمارات رغم التوترات الإقليمية وتتجه لجمجمة 46.5 مليار دولار ورفع عدد السكان إلى 105 ملايين نسمة لتعزيز جاذبية السوق

مصر تواصل جذب الاستثمارات رغم التوترات الإقليمية وتتجه لجمجمة 46.5 مليار دولار ورفع عدد السكان إلى 105 ملايين نسمة لتعزيز جاذبية السوق

شهدت المنطقة في الآونة الأخيرة موجة متتالية من التوترات والصدمات الإقليمية التي أثرت بشكل كبير على حركة التجارة والاستثمار، مما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الأسواق التي تظهر قدرة أكبر على الصمود أمام التغيرات الجيوسياسية، ومع ذلك، لا تزال السوق المصرية تحظى باهتمام كبير من قبل المستثمرين، بفضل ما تتمتع به من مقومات اقتصادية، وموقع استراتيجي، وفرص استثمارية متنوعة.

الإصلاحات الاقتصادية تعزز ثقة المستثمرين في السوق المصرية

أكد الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن السوق المصرية استطاعت، على الرغم من التطورات الجيوسياسية والموجات المتتالية من الصدمات، أن تحافظ على مكانتها كموجهة استثمارية رئيسية في المنطقة، موضحًا أن استمرار اهتمام المستثمرين يعود إلى مزيج من الإصلاحات الهيكلية والنقدية الجريئة، والصفقات الاستثمارية الكبرى، بالإضافة إلى المقاومات الديموغرافية والقطاعية المتنوعة التي يمتلكها الاقتصاد المصري.

وأشار الشافعي إلى أن حزمة الإصلاحات الاقتصادية والنقدية التي أُجريت سابقًا ساهمت بشكل مباشر في تعزيز ثقة المستثمرين، ومن بين هذه الإصلاحات تحرير سعر الصرف، وتبني سياسة مرونة سعر الصرف، مما ساعد على القضاء على السوق الموازية للعملة، وإعادة تدفقات السيولة الدولارية إلى القنوات الرسمية، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على احتياطي النقد الأجنبي، الذي ارتفع إلى مستويات قياسية تتجاوز 48.7 مليار دولار، بالتزامن مع الاتفاقيات التمويلية مع صندوق النقد الدولي والشركاء الدوليين التي تجاوزت 8 مليارات دولار، موفرة بذلك شبكة أمان للمستثمرين ضد مخاطر تقلبات العملة، وضمان سهولة تحويل الأرباح.

رأس الحكمة وتدفقات استثمارية تاريخية

لفت إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ النظرة الإيجابية تجاه الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أن من أبرز هذه التدفقات صفقة رأس الحكمة، التي تضمنت استثمارات إماراتية مباشرة بقيمة 35 مليار دولار، وقال أن أهمية هذه الصفقة لا تقتصر على ضخ سيولة دولارية كبيرة، بل تتعدى ذلك إلى رفع إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي وصل إلى 46.5 مليار دولار، مع استمرار التدفقات الأساسية عند مستويات تتراوح بين 11 و12.2 مليار دولار سنويًا.

وأضاف أن هذا الزخم يعكس استمرار اهتمام المؤسسات الدولية بالفرص الاستثمارية طويلة الأمد في مصر، خاصة مع استهداف استثمارات إجمالية لتطوير مشروع رأس الحكمة تصل إلى 150 مليار دولار على مدى فترة تنفيذه.

مؤشرات مالية القيمة
إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر (مليارات دولار) 46.5
استثمارات رأس الحكمة (مليارات دولار) 35
معدل التضخم (%) 12.2 – 14.4
معدل النمو (%) 4.4 – 5.3

وفي سياق متصل، أكد الشافعي أن تراجع التضخم من مستويات تجاوزت 36% إلى ما بين 12.2% و14.4%، يعد تطورًا إيجابيًا يعزز من بيئة الاستثمار، حيث أدى ذلك إلى بدء السلطات النقدية في تنفيذ سياسة التيسير النقدي، من خلال خفض تدريجي لأسعار الفائدة، مما ساهم في تقليل تكلفة التمويل، والتحفيز على زيادة الأنشطة القطاع الخاص.

كما انعكس ذلك على مؤشرات النمو الاقتصادي، التي ارتفعت من حوالي 2.4% إلى مستويات بين 4.4% و5.3%، مع توقعات بالوصول إلى أكثر من 5% في السنوات القادمة، ما يعكس قدرة الاقتصاد المصري على استعادة وتيرة النمو المرتفعة.

قوة الاقتصاد المصري ترسخت بفضل تنوع قاعدة القطاعات

أكد الشافعي أن قوة الاقتصاد المصري لا تعتمد فقط على المؤشرات المالية والنقدية، وإنما تستند أيضًا إلى قاعدة هيكلية واسعة من القطاعات والأسواق، موضحًا أن مصر تمتلك سوقًا استهلاكية ضخمة، إذ يبلغ عدد سكانها أكثر من 105 ملايين نسمة، بالإضافة إلى وجود قوة عمل شابة تقترب من 33.4 مليون فرد، مما يوفر قاعدة طلب داخلية قوية ومستدامة.

وأشار إلى الأداء القوي لقطاعات عدة، حيث سجل قطاع السياحة نموًا بلغ 17.3%، وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنسبة 14.4%، والقطاع الصناعي غير البترولي بنسبة 14.7%، بينما يواصل قطاعا العقارات والتشييد جذب جزء كبير من رؤوس الأموال.

كما ذكر أن التسهيلات الضريبية والإجرائية، والتوسع في منح الرخصة الذهبية للمشروعات الكبيرة، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية، كالطرق والموانئ والمناطق اللوجستية، ومشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، تُعزز من تنافسية السوق المصرية، وتُحولها إلى منصة استثمارية جاذبة على المديين المتوسط والطويل، توفر فرص نمو وعوائد واعدة.

مقومات تعزز جاذبية الاستثمار في مصر

قال الدكتور محمد عبد الباسط، الخبير الاقتصادي ومدرس التمويل والمحاسبة في جامعة عين شمس، إن استمرار اهتمام المستثمرين بالسوق المصرية، رغم التحديات الإقليمية، يعكس قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بجاذبيته، مدعومًا بحجم السوق الكبير، وتنوع القطاعات، والفرص المتاحة، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي لمصر، والبنية التحتية المتطورة خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن المستثمرين يجري حاليًا تقييمًا شاملاً للعوامل التي تؤثر على قرار الاستثمار، وليس فقط تداعيات التوترات قصيرة الأجل، معتبرًا أن الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة دور القطاع الخاص، تظل من العناصر الأساسية التي تعزز ثقة المستثمرين.

وأشار إلى أن تنوع الاقتصاد المصري يُعد أحد مصادر قوته في مواجهة الصدمات، حيث تتوفر في مصر فرص متنوعة في قطاعات الصناعة، والطاقة، واللوجستيات، والسياحة، والتكنولوجيا، والخدمات المالية، مما يمنح المستثمرين مساحة أكبر لتنويع استثماراتهم، والاستفادة من السوق المحلي، فضلاً عن إمكانية استغلال مصر كوحدة بداية للتوسع في أسواق المنطقة وأفريقيا.

التحدي.. تحويل الاهتمام إلى استثمارات حقيقية ومستدامة

لفت عبد الباسط إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه مصر هو الحفاظ على تلك الثقة، وتحويل اهتمام المستثمرين إلى تدفقات فعلية ومستدامة، وذلك من خلال مواصلة الإصلاحات، وتسهيل إجراءات الاستثمار، وتعزيز استقرار السياسات الاقتصادية، بهدف تعزيز القدرة التنافسية المصرية على المنطقة، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

وحث على ضرورة التركيز في المرحلة القادمة على تحسين مناخ الأعمال، وتمكين القطاع الخاص من قيادة النمو، وخفض كلفة ممارسة النشاط الاقتصادي، وتوفير قدر أكبر من الوضوح للمستثمرين، مؤكدًا أن قدرة مصر على الاستفادة من الفرص وتحويل التحديات إلى فرص، ستكون العامل الحاسم في تعزيز جاذبيتها الاستثمارية في المستقبل القريب.