عادت موجة ارتفاع الأسعار لتلقي بظلالها على سوق الغذاء في مصر، مع تصاعد المخاوف من موجة غلاء جديدة خلال عام 2026، مما يضع ميزانيات الأسر المصرية أمام تحديات إضافية، خاصة في ظل اعتماد المواطنين بشكل يومي على السلع الغذائية الأساسية. تتكرر هذه التطورات لتعيد ملف التضخم الغذائي إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول أسباب تجدد الضغوط السعرية، ومدى قدرة الأسواق على استيعاب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، وتأثير ذلك على القوة الشرائية للمواطنين. وفي ظل حساسية أسعار الغذاء وتأثيرها المباشر على مستوى المعيشة، تبرز الحاجة إلى تحرك فوري لضبط الأسواق، وتعزيز المعروض من السلع الأساسية، بجانب تبني سياسات اقتصادية تحد من انتقال الزيادات في التكاليف إلى المستهلك النهائي، وتعمل على استقرار الأسعار خلال الفترة المقبلة.
ارتفاع تكاليف الإنتاج يعيد الضغوط إلى سوق الغذاء
قالت الدكتورة درية ماضي، مدرس التمويل والاستثمار بجامعة عين شمس، إن موجة ارتفاع أسعار الغذاء ترتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية المتداخلة، تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، والنقل، والتوزيع، بالإضافة إلى تأثير تقلبات أسعار الصرف وتكاليف استيراد مستلزمات الإنتاج. أوضحت في تصريحات خاصة لـ “فيتو” أن هذه الضغوط قد تدفع الشركات والمنتجين إلى تمرير جزء من الزيادات في التكاليف إلى المستهلك النهائي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على مدخلات إنتاج مستوردة. وأشارت إلى أن التعامل مع هذه التطورات يتطلب التمييز بين الزيادات الناتجة عن ارتفاع التكاليف الفعلية، وتلك التي قد ترتبط بالممارسات الاحتكارية أو ضعف المنافسة داخل حلقات التداول، مع أهمية تعزيز الرقابة على الأسواق، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتقليل الحلقات الوسيطة التي ترفع السعر دون إضافة قيمة حقيقية للمنتج.
الرقابة على الأسواق وضبط حلقات التداول ضرورة
لفتت مدرس التمويل والاستثمار إلى أن تعزيز الرقابة على الأسواق خطوة مهمة للحد من الزيادات غير المبررة في الأسعار، خاصة في ظل وجود عدد كبير من الوسطاء بين المنتج والمستهلك، واحتمالات تفاوت الأسعار بين المناطق ومنافذ البيع. أشارت إلى أن فاعلية تلك الرقابة تعتمد على توفر بيانات واضحة عن مستويات الأسعار، وتكاليف الإنتاج، وهوامش التداول، مما يساعد على تحديد الأسباب الحقيقية للزيادات، والتعامل معها بشكل مناسب. وأكدت أن التوسع في المنافذ التي توفر السلع الأساسية بأسعار مناسبة، وتشجيع المنافسة بين الموردين، يمكن أن يسهم في تخفيف الأعباء على الأسر. وأوضحت أن الرقابة وحدها لا تكفي، خاصة إذا كانت الزيادة ناتجة عن ارتفاع حقيقي في التكاليف، أو نقص في المعروض، مما يتطلب العمل على تحسين كفاءة التوزيع، وتوفير السلع بشكل منتظم.
القوة الشرائية للأسر أمام تحديات جديدة
وأشار الدكتور محمد عبد الباسط، الخبير الاقتصادي، ومدرس التمويل والمحاسبة بجامعة عين شمس، إلى أن تكرار الضغوط السعرية على سوق الغذاء يمثل تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا، نظراً لكون الغذاء من البنود الأساسية التي يصعب على الأسر الاستغناء عنها، أو تقليل الإنفاق عليها بشكل كبير. أكد أن أي زيادة جديدة في أسعار السلع الغذائية تؤثر مباشرة على الدخل الحقيقي للمواطنين، حتى في حال عدم تراجع الدخل النقدي، موضحًا أن ارتفاع الأسعار يقلص القدرة الشرائية، ويجبر الأسر على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لتغطية حاجاتها الأساسية. أضاف أن تأثير تلك الزيادات يكون أكبر لدى الفئات التي تخصص نسبة كبيرة من دخلها للطعام، حيث قد يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء إلى تقليل الإنفاق على التعليم، والصحة، والنقل، وغيرها من الخدمات الضرورية. وشدد على ضرورة تقييم الأوضاع الاقتصادية من خلال قياس تأثير الأسعار على مستويات المعيشة، ومتابعة معدلات التضخم العامة.
زيادة المعروض وتعزيز الإنتاج المحلي لتخفيف الضغوط
ذكر الخبير الاقتصادي أن تعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، يمثلان من المسارات الأساسية للحد من تعرض سوق الغذاء للصدمات الخارجية. أوضح أن زيادة القدرة الإنتاجية الوطنية تقلل من التأثر بالتقلبات الخارجية، خاصة في السلع التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد. أشار إلى أن تحقيق استقرار أكثر استدامة في الأسعار يتطلب تنسيقًا بين السياسات النقدية، والمالية، والإنتاجية، والتجارية، بالإضافة إلى تطوير منظومات التخزين، والنقل، وتقليل الفاقد من المنتجات الغذائية، بما يسهم بشكل فعال في خفض التكاليف النهائية التي يتحملها المستهلك.
