الذهب والدم السوداني حيثيات قصف الطيران المصري لمناجم العقيدات وأثر تواطؤ سلطات الأمر الواقع

الذهب والدم السوداني حيثيات قصف الطيران المصري لمناجم العقيدات وأثر تواطؤ سلطات الأمر الواقع

ما حدث في جبل العقيدات لا يُعد حادثاً عابراً، بل يعكس تصعيداً خطيراً يثير الكثير من التساؤلات حول ملابسات القصف وموقف الأطراف المعنية. شهادات الناجين من المعدّنين تتحدث عن غارات جوية نفذها الطيران المصري، وعن وجود آلاف العاملين في الموقع، بالإضافة إلى حالات مفقودين في الصحراء وداخل آبار التعدين. يقع الجبل داخل الأراضي السودانية، على بعد نحو عشرين كيلومتراً من الحدود، في منطقة تعدين أهلية يعيش منها العديد من الأسر، بينما تصف سلطة بورتسودان الحادث بـ”الواقعة” دون تحديد الجهة المسؤولة أو الضحايا.

الملابسات الجغرافية والحيادية في الرواية

الرواية المصرية زعمت أن الضربات استهدفت جماعات سودانية عبرت الحدود، إلا أن الجغرافيا تخالفها، إذ إن الموقع المستهدف داخل الأراضي السودانية، وليس على الحدود، ويقع ضمن إحداثيات 21.82 درجة شمالاً و34.11 درجة شرقاً، أي حوالي عشرين كيلومتراً جنوب دائرة عرض 22 شمالاً، وهو الخط الذي حددت به معاهدة 1899 حدود السودان، وهو الخط ذاته الذي تعتزم مصر الالتزام به. إذا كانت الإحداثيات صحيحة، فإن الموقع المستهدف يقع داخل الأراضي السودانية، ولا يتعلق بمثلث حلايب الواقع شمال هذا الخط، إذ إن وجود شركة تعدين وعمال سودانيين على الموقع لا يخلق سيادة على الأرض أو الثروات، وإنما يعكس نشاطاً اقتصادياً محلياً.

تفاعل المستثمرين والجيش المصري مع الأمر

يوضح كلام رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، أحد أكبر المستثمرين في الذهب بمصر، حيث عبّر علناً عن شكره للجيش المصري لاستجابته لنداءات شركات التعدين، وأشاد بفرض سلطة الدولة وترحيل المعدّنين الأجانب، ما يشير إلى أن التحرك العسكري جاء استجابة لمصالح خاصة. بيان الجيش تحدث عن حملة لفرض السيادة وحماية الثروات، مما يعكس توافق الروايتين بين استثمار خاص وتحرك عسكري يهدف للحفاظ على الموارد الوطنية.

ردود الفعل السودانية والدعوة للتحقيق المستقل

قوبلت الأحداث بردود فعل قوية من الكيانات السياسية السودانية، خاصة لجان المقاومة والقوى الثورية، التي أدانت الغارات الجوية المصرية ووصفتها بأنها واقعة خطيرة تتطلب تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤولية. وأكدت على ضرورة كشف الشبكات المستفيدة، والعقود، والامتيازات المالية المرتبطة بالمنجم، إذا ثبت أن الهجمات تتعلق بتوزيع السيطرة على مناطق التعدين. كما طالبت الأمين العام للأمم المتحدة بعرض هذه الاعتداءات على مجلس الأمن، وحملت سلطات بورتسودان مسؤولية حماية المواطنين وصون السيادة، مشددة على أن السيادة لا تكون شعاراً، وأن حياة السودانيين أولوية فوق العلاقات الدولية.

موقف الحركة السودانية وحقوق الضحايا

أصدرت حركة تحرير كوش السودانية بياناً في 12 أكتوبر 2026 أدانت فيه استهداف المعدّنين السودانيين وأكدت رفضها لأي انتهاك لسيادة البلاد، ودعت إلى كشف الحقيقة، واحترام السيادة، وحماية العاملين في التعدين، وضمان حقوق أسر الضحايا وتعويض المتضررين. وعلى الرغم من مواقفها التي تدعو إلى وقف التعدين لأسباب أمنية وبيئية، إلا أنها تتفق في الجوهر على أن دماء السودانيين لا يُهدَر، وأن السيادة يجب أن تُحترم، وأن الحقيقة يجب أن تُكشف بشكل مستقل.

تفاهمات مشتركة وأحداث متفق عليها

يبدو أن هناك توافقاً ضمنياً بين أطراف متعددة، من لجان المقاومة إلى القوى الثورية، حول ضرورة الكشف عن الحقيقة، وتسمية مرتكبي الهجوم، ومساءلة السلطات المحلية عن صمتها، وهو توافق ينبع من حب الوطن وسيادة السودان. وأظهرت تقارير صحفية أن هناك أنشطة لشركات مصرية للثروة المعدنية في المنطقة، وتُشاهد تواطؤاً من سلطة بورتسودان التي لم تُسمِّ المعتدي، مما يثير أسئلة حول الترتيبات التي سمحت بارتكاب هذا العدوان، وبيع أو تأجير ثروات البلاد دون تفويض رسمي، مما يعكس تقصيراً واضحاً في مسؤولية حماية السيادة الوطنية.

المسؤولية السياسية وتحميل السلطات المسؤولية

إن المسؤولية الأساسية تقع على قيادة الجيش السوداني، خاصة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فإذا كان قد أذن بتنفيذ العملية، فهو شريك في الجريمة. وإذا عجز عن منعه، فقد تخلَّى عن حماية الأرض والمواطنين، وإذا التستر بعد وقوع الأحداث، فهو متواطئ في إخفاء الحقيقة. أما أولئك الذين يبررون أو يدافعون عن الفعل، فهم يساهمون في تغطية الجريمة، ويعملون على تبرئة المعتدي، من خلال تصنيف المجزرة بـ”حادث” غير محدد الفاعل، وهو تكريس لتغليب المصالح على حقوق الضحايا.

ضرورة التحقيق الدولي المستقل والمساءلة

المطلب الأهم هو إجراء تحقيق دولي مستقل، يستند إلى الأدلة، ويكشف من أمر وطلب، ومن نفّذ، ومن علم، ومستفيد. ويجب الرد على العدوان من خلال تسجيل الأدلة، وتقديم تقرير شامل أمام مجلس الأمن والمنظمات الدولية، ومعاقبة المسؤولين، وتقديم تعويضات لأسر الضحايا، عبر آليات العدالة الدولية. المقال يركز على أهمية حماية السيادة الوطنية، وكشف من يقف خلف استغلال الثروات، لمنع تحول الذهب إلى وقود للحروب، وضمان أن دماء السودانيين لا تُستهان بها في حسابات العالم.

السياق الأوسع وأثر الصراع الداخلي السوداني

لا يمكن فصل أحداث جبل العقيدات عن الأوضاع الأوسع التي تعيشها البلاد، حيث إن الأزمة بدأت منذ أبريل 2023، بعد أن أشعلتها الحركة الإسلامية السودانية، المجموعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، بقيادة جيش مدجج بالسلاح، ويدير صراعاً مع مليشيات متمركزة ومُدعمة لتمكين النفوذ والسلطة، وهو صراع ترافقت معه تصنيفات أمريكية للحركة ككيان إرهابي عالمي، نتيجة جرائمها ضد المدنيين، كالقتل والدمار والنهب. وقد دفع الشعب السوداني الثمن غالياً عدداً من القتلى وملايين النازحين واللاجئين، ودمار المدن، ونهب الموارد، وقصف المعدّنين بطائرات المعادية.

نداء إلى المجتمع الدولي والمنظمات الدولية

الجهة الطلب
الأمم المتحدة ومجلس الأمن إضافة واقعة جبل العقيدات على جدول أعمالها، وتكليف لجنة تحقيق مستقلة لتحديد المسؤولين وسلسلة القرار.
منظمات حقوق الإنسان الدولية توثيق شهادات الناجين، محافظتهم على الأدلة، ورفع تقارير عن الضحايا والمفقودين.
آليات العدالة الدولية فتح ملفات المساءلة، وتحقيق العدالة، وتقديم التعويضات لمن تضرر.
المجتمع الدولي حماية المدنيين، والضغط على جميع الأطراف لاحترام السيادة وتوقيف أنشطة الاستفادة غير القانونية من الذهب، لمنع تحول الثروات إلى أداة حروب.

هذه ليست مجرد قضية معدّنين فقدوا حياتهم، بل اختبار لمدى اعتراف العالم بدماء السودانيين، وما إذا كانت تُعامل كقيمة فوق الحسابات أو تُعتبر ثمنًا مقبولًا مقابل النفوذ والذهب.