مصر والسودان تتعاونان لتعزيز حماية الذهب وفرض السيطرة على مناجمهما

مصر والسودان تتعاونان لتعزيز حماية الذهب وفرض السيطرة على مناجمهما

أسفرت غارات جوية استهدفت مواقع للتنقيب عن الذهب الأهلي في منطقة شمال الوادي بالقرب من الحدود المصرية السودانية عن مقتل وجرح العشرات من المعدّنين، المعروفين في المنطقة بـ«الدهّابة»، وأُطلق على الحادث وصف بالمجزرة. قامت مجموعة «محامو الطوارئ» السودانية باتهام الجيش المصري بتنفيذ الهجوم، وتقدّرت حصيلة القتلى بحوالي 72 شخصًا، بينما أكّد ناجون وقوع خمس غارات على تجمعات تضم آلاف العاملين. لم تعلن السلطات المصرية مسؤوليتها المباشرة عن القصف، لكنها أوضحت استمرار حملتها العسكرية ضد التنقيب غير المشروع عن الذهب، وادعت أنها ألقت منشورات تحذيرية على من وصفتهم بـ”العناصر الإجرامية”، بررت الحملة بـ”حماية السيادة المصرية وثرواتها الوطنية”.

ارتباط الغارات بالنزاع التاريخي بين مصر والسودان

لا يمكن فصل هذه الهجمات عن النزاع الممتد حول حلايب وشلاتين، ومع أن التأكد من وقوع المجزرة داخل المثلث المتنازع عليه غير مؤكد، فإن المنطقة الحدودية الغنية بالذهب تشهد عمليات عسكرية مصرية متكررة لفرض السيطرة على الحدود والتعدين فيها، خاصة في ظل الخلافات المستمرة حول السيادة والنفوذ. ومن المعروف أن المنطقة تشهد صراعات مستمرة، وتوجه الأنظار إلى أن غارات السبت تُعد جزءًا من هذه النزاعات، خاصة أن المنطقة تسودها عمليات عسكرية تهدف إلى السيطرة على الثروات المعدنية وتأكيد النفوذ.

أسئلة تفتحها الواقعة وتحليلها

يثير حادث القصف أسئلة مهمة حول مدى شرعية العمليات العسكرية في مناطق التنقيب غير المرخصة، وهل تعتبر تهديدًا للأمن الوطني يستدعي استخدام القوة الجوية، وما إذا كان عبور المعدّنين للحدود المتنازع عليها يمنح الجيوش تفويضًا بإطلاق النار على المدنيين، وهل يُعتبر حماية الثروات الوطنية حقًا أبدياً يبرر استخدام العنف ضد من يسعى لكسب لقمة العيش. يعكس هذا الوضع تناقضًا كبيرًا في العلاقة بين الثروة والسلطة في المنطقة، خاصة في ظل الأوضاع الحالية في السودان، التي شهدت حربًا منذ نيسان/أبريل 2023، وتحول ذهب البلاد إلى مصدر رئيسي لتمويل أطراف النزاع، بالإضافة إلى أن هذه المادة الثمينة تتحكم فيها شبكات محلية وإقليمية، مع تصدر الإمارات كوجهة رئيسية للذهب السوداني، ويتهم تقرير دولي قوات الدعم السريع باستخدام عائدات الذهب في تمويل عملياتها العسكرية.

التوظيف السياسي للمجزرة والتوترات الإقليمية

استخدمت الأطراف المختلفة المجزرة الأخيرة لترويج دعايتها السياسية، حيث أدان محمد حمدان دقلو «حميدتي»، قائد «قوات الدعم السريع»، مقتل المعدّنين وتحدث عن سيادة وكرامة الشعب السوداني، بينما تتعرض قواته لاتهامات بارتكاب انتهاكات وجرائم ضد المدنيين، من ناحية أخرى، أعلن عبد الفتاح البرهان، رئيس «مجلس السيادة السوداني»، عن تشكيل لجنة للتحقيق في مقتل المواطنين، دون أن يوجه اتهامًا مباشرًا لمصر، لارتباطه بالحليف الإقليمي، مما حول مأساة الضحايا إلى مادة للمزايدة بين الأحزاب المتصارعة، التي أثّرت بشكل سلبي على أوضاع السكان، وأدت إلى نزوح الآلاف إلى مناطق أكثر أمانًا وأدت إلى المزيد من تدهور ظروف حياتهم.

تاريخ العلاقات بين مصر والسودان وما يترتب عليه

لا يمكن فصل الحادث عن التاريخ الطويل للعلاقات غير المتكافئة بين مصر والسودان، والتي تمتد من الحكم العثماني إلى الفترة الاستعمارية البريطانية المصرية، وصولًا إلى النزاع حول حلايب وشلاتين، حيث كانت العلاقات دائمًا تتسم بمحاولات مصر فرض سيادتها والتدخل في الشؤون السودانية، مع رجال أمن وساسة ينظرون إلى السودانيين والأفارقة كتهديدات أمنية، وهو ما يعكس خطابًا قوميًا متعجرفًا يتعامل مع سكان المناطق الحدودية على أنهم مصادر لتهديد الأمن، بدلاً من أن يُنظر إليهم على أنهم بشر يحق لهم حقوق الحياة والكرامة، رغم أن المنطقة مكتظة بالسكان الذين عاشوا مئات الأعوام عبر أجيال.

ظروف المعدّنين ومخاطر التنقيب غير القانوني

المعدّنون الذين خاطروا بحياتهم في الصحارى هم من الفقراء، ورافقهم ظروف الحرب والاقتصاد المنهار، فهم يذهبون إلى المناطق النائية للتنقيب عن الذهب في ظروف تفتقر لأدنى وسائل الحماية والرعاية الصحية، وبينما تستفيد الدولة والجماعات المسلحة من استثمار الذهب وتهريبه، لا تزال حقوق هؤلاء العاملين مجهولة أو مهملة، ويواجهون خطر الموت أو الإصابات دون أي دعم رسمي أو حماية. وتتواصل عمليات استغلال هذه الثروات، بينما يهمل المجتمع الدولي والمحلي حياة المعدّنين، ما يعكس استمرار غياب العدالة والإنصاف في استغلال الثروة الوطنية بشكل يعكس مصالح القوى والنخب الحاكمة.