من أبرهة إلى الحوثي المملكة في قلبها الدعاء والحماية

من أبرهة إلى الحوثي المملكة في قلبها الدعاء والحماية

سالم بن محمد العيدي

الذاكرة التاريخية والرمزية الدائمة لمكة المكرمة

التاريخ يحمل في طيّاته ذكريات لا تُنسى، وبعض المشاهد، وإن تغيّرت أسماؤها أو أدواتها، فإنها تظلّ تذكّرنا بصور مضت منذ قرون. من اليمن خرج أبرهة بجيشه وفيله، متجهًا نحو البيت الحرام، بهدف الانتقاص من قدسيته، الذي جعله الله قبلة للناس وأمنا لهم. ذهب أبرهة، وهلك جيشه، وظلت الكعبة شامخة، ومكة تظلّ أوجب بقاع الأرض ومهوى قلوب المسلمين.

تهديد أمن مكة في العصر الحديث وأسوأ السيناريوهات

وفي الوقت الراهن، حين يُهدَّد أمن مكة، عبر استهداف المعتمرين، أو من خلال قصف المطارات وتوجيه الأسلحة نحو أراضي المملكة، يتكرر ذلك المشهد التاريخي، ولكن بفوارق زمانية وظروف مختلفة. وتظلّ حرمة المكان، واستهداف المدنيين والأمنيين، خطًا أحمرًا لا يُسمح بتجاوزه. ولذا، أصف المشهد بلغة بلاغية: الحوثي.. أبرهة العصر.

الاعتداءات المتكررة على مكة في التاريخ الحديث

في أكتوبر 2016، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ أطلقه الحوثيون استهدف منطقة مكة المكرمة، وكان على بُعد 65 كيلومترًا من المدينة. وفي يوليو 2017، تم اعتراض صاروخ باليستي آخر باتجاه مكة على بُعد 69 كيلومترًا. وحتى الآن، عادت التهديدات للمحيط المقدس، ففي 16 سبتمبر 2026، أُعْلِن عن اعتراض طائرة مسيرة حوثية جنوب مكة، قبل دخولها المجال الجوي للمدينة. ولم تقتصر الاعتداءات على ذلك، إذ شهدت السعودية قصف مطار الملك خالد، واستهداف طائرات المعتمرين، وترويع الأمنين، في جرائم تعتبر تعديًا سافرًا على الأمان والسلام.

الدعوة الإبراهيمية المستعصية على الأعداء

قبل أبرهة والحوثي، كانت هناك دعوة عظيمة رفعها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا). يا لها من دعوة عظيمة، سبقت الجيوش والصواريخ والمسيرات، وظلت مكة بلدًا آمنًا تتوجّه إليها أنظار المسلمين، وبيتًا تتوق قلوبهم إليه من مشارق الأرض ومغاربها. مكة ليست مدينة سعودية فحسب، بل هي قبلة المسلمين، ومهبط أنظار أكثر من مليار مسلم حول العالم.

أهمية حماية مكة وأمنها باعتبارها رمزًا عالميًا

ومن هنا، فإن أمنها ليس مجرد شأن سياسي، أو ورقة في نزاعات، ولا ميدانًا للمغامرات العسكرية، بل هو مسؤولية عظيمة تتعلق بالمقدسات الإسلامية. لقد وصف مسؤولون يمنيون وأئمة مساجد، محاولة استهداف مكة بأنها اعتداء على مشاعر المسلمين، وتذكّروا واقعة أبرهة عند الحديث عن الهجمات الحوثية. لقد مرّت على هذه الأرض الكثير من الطامعين، لكن مكة، بقيت محفوظة بحفظ الله، وبتضحيات أبناءها، وستظلّ رمزًا للسلام والأمان.

مكة.. رمز الصمود والحصانة الدائمة

ذهب أبرهة، وبقي البيت، وسوف يمرّ المعتدون ويبقَى البيت، وتظلّ مكة عزيزة وآمنة، بإذن الله، بدعوة إبراهيم عليه السلام، وبحفْظ الله، ثم بعزم قيادة جعلت من حماية الحرمين وخدمتهما فخرًا وشرفًا عظيمًا. فالدعوة الإبراهيمية بالسلام والأمن ستظلّ أعلى من أي ضجيج للسلاح، والمتغيرات السياسية.

خدمة الحرمين، مسؤولية مقدسة وواجب وطني جامع

وقد شرّف الله المملكة بخدمة الحرمين، وحمايتهما، وأمن البلاد ومقدساتها مسؤولية عظيمة، لا مساومة عليها، ومن هنا فإن أمن مكة والأمن الوطني العام، مسؤولية تقع على عاتق الحكومة، والشعب، وكل من ينتمي لهذا الوطن العزيز. ونحن ندعو لوطننا ليس فقط من أجل حدود على خريطة، بل من أجل أرض تحتضن مقدسات المسلمين، ولقبلة تتجه إليها أنظار أكثر من مليار إنسان، ولمشاعر مقدسة يتوق إليها المسلمون من كل فج عميق.

الدعاء بالحفظ والوقاية من شر الأعداء

اللهم يا من جعلت هذا البلد حرامًا آمنًا، احفظ مكة والمدينة، وأحفظ بلادنا المملكة العربية السعودية، واحبس عنها شر الأعداء، واحفظ قيادتها، وشعبها، ومقيمها، وجنودها. اللهم أدم نعمة الأمن والأمان والاستقرار، واكفها شر الفتن والنائبات، وردّ كيد من أراد بسوء لها، ولمقدسات المسلمين. إنّ دعوة إبراهيم عليه السلام تظلّ دائمًا أعلى من موجة الأصوات والأحداث، وتبقى مكة بأمنها وكرامتها، بإذن الله، الشاهد على ذلك.