تجاوز سعر الدولار في السوق المصرية حد الـ53 جنيهًا، نتيجة تزامن ارتفاع أسعار النفط مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية، الأمر الذي أعاد الجنيه لمواجهة ضغوط خارجية تتعدى قرارات البنك المركزي. ومع اقتراب سعر برنت من 110 دولارات للبرميل، تتزايد المخاوف من ارتفاع فاتورة الطاقة، وتفاقم الطلب على العملة الأمريكية، وسط ترقب الأسواق لمدى تأثير التوترات الإقليمية وإمكانية مصادر النقد الأجنبي على امتصاص الصدمات، وفقا لتقارير بلومبرج.
النفط والجنيه.. علاقة تتجاوز سعر البرميل
شهدت تحركات الأسواق خلال العام الحالي ارتباطًا متزايدًا بين أسعار النفط وأداء الجنيه، حيث تزامن ارتفاع أسعار الخام مع تراجع العملة المصرية، بينما ساعدت فترات انخفاض الضغوط النفطية والجيوسياسية على استقرار سوق الصرف. إلا أن هذا الارتباط لا يعني أن النفط يتحكم بشكل منفرد في سعر الدولار، حيث تتأثر العملة أيضًا بتدفقات الاستثمار الأجنبي، وحركات التجارة، والتحويلات، والسياحة، والسياسات النقدية للبنك المركزي.
ومع ارتفاع برنت إلى ما يقارب 109.86 دولار للبرميل يوم الجمعة، والذي يعد أعلى مستوى منذ مايو، تتزايد المخاوف من اضطرابات محتملة في الإمدادات نتيجة التوترات الإقليمية.
فاتورة الطاقة.. الضغط الأول على الجنيه
تعد مصر من الدول المستوردة للمنتجات البترولية، مما يجعل ارتفاع الأسعار العالمية عبئًا على فاتورة الواردات، ويزيد من الضغط على موارد النقد الأجنبي الداخلية. وكلما ارتفعت تكلفة استيراد النفط والوقود، زادت الضغوط على العملة، خاصة إذا لم تقابلها زيادة مماثلة في الصادرات أو الإيرادات الدولية بالدولار الأمريكي.
ولا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على تكلفة الاستيراد فقط، بل يمتد ليشمل موازنة الدولة، حيث قد تضطر الحكومة إلى تحمل أعباء إضافية أو تعديل أسعار الوقود، بهدف تقليل فجوة التكاليف والدعم الحكومي. حذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع أسعار الطاقة، مع تراجع العملة، قد يؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم مجددًا خلال النصف الثاني من عام 2026، حيث يتوقع أن يصل إلى 16.7%.
الأموال الساخنة.. القناة الأكثر حساسية
يمثل خروج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين، كأذون الخزانة والسندات، قناة أخرى لنقل صدمة ارتفاع أسعار النفط إلى سوق الصرف، حيث عندما تتصاعد المخاطر الجيوسياسية، قد يبيع المستثمرون أصولهم ويحولون العائدات إلى الدولار، مما يزيد الطلب عليه ويضغط على الجنيه.
وتعتمد مصر جزئيًا على ما يُعرف بـ”تداول الفائدة”، حيث يستفيد المستثمر الأجنبي من ارتفاع العوائد على الأصول المقومة بالجنيه، لكنه يظل معرضًا لمخاطر تقلبات سعر الصرف، وتقلبات السوق بشكل عام. وفقًا لتقارير السوق، بلغت التدفقات الخارجة خلال الأسبوع الماضي بين 800 و900 مليون دولار، وتراجعت حيازات الأجانب من أدوات الدين إلى نحو 28 مليار دولار، مقارنة بذروة بلغت 35 مليار دولار في يونيو.
التحويلات والسياحة والاحتياطيات.. خطوط الدفاع
في المقابل، تمتلك مصر مصادر متنوعة للنقد الأجنبي تساعد في تخفيف حدة الضغوط، أبرزها تحويلات المصريين في الخارج، وإيرادات السياحة، وعائدات قناة السويس، والاستثمارات الأجنبية المباشرة. وارتفعت تحويلات المصريين بالخارج إلى 33.9 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بزيادة قدرها 27.2%، بحسب البيانات الرسمية.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن تدفقات التحويلات القياسية، وإيرادات السياحة، وتعافي إيرادات قناة السويس، ساعدت الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية، فيما بلغت الاحتياطيات الدولية الصافية 57.2 مليار دولار في نهاية أغسطس. توفر هذه الاحتياطيات هامشًا لمواجهة التقلبات السوقية، لكنها لا تكفي بمفردها لتعويض النقص في التدفقات المستدامة من النقد الأجنبي، أو لتعزيز التنافسية الصادراتية.
صندوق النقد واختبار مرونة سعر الصرف
أنهى صندوق النقد الدولي مراجعته السابعة لبرنامج مصر في 30 يوليو، مما أتاح تمويلًا بقيمة حوالي 1.5 مليار دولار من خلال تسهيل الصندوق الممدد، بالإضافة إلى 272 مليون دولار ضمن آلية تعزيز الصلابة والاستدامة. وشدد الصندوق على أهمية الحفاظ على مرونة سعر الصرف، وبناء الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على التمويل قصير الأجل.
ويمثل موعد انتهاء البرنامج في 15 ديسمبر خطوة مهمة للمؤسسات الدولية، حيث تراقب مدى التزام الحكومة بالإصلاحات، وقدرتها على تأمين التمويل الضروري، مع استمرار مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة وضعف العملة في إبطاء تراجع التضخم ورفع الضغوط على الحساب الجاري.
هل يتحكم النفط في مصير الجنيه؟
لا يضبط النفط مصير الجنيه وحده، لكنه قد يفاقم الضغوط عندما يجتمع ارتفاع تكلفة الطاقة مع خروج الأموال الأجنبية وزيادة الطلب على الدولار، في حين أن موارد التحويلات السياحة، والاحتياطيات، والتمويل الدولي، يمكن أن تلعب دورًا في التخفيف من حدة الصدمات، بشرط استمرار تدفق هذه المصادر وعدم الاعتماد على حلول مؤقتة فقط.
وتظل المعادلة الحالية مرتبطة بمسار أسعار النفط، والتوترات الإقليمية، والقدرة على جذب استثمارات مستقرة وزيادة الإيرادات بالدولار. فاستقرار الجنيه لن يتأتى فقط من انخفاض أسعار النفط، بل يتطلب أيضًا تقليل فجوة النقد الأجنبي، وتعزيز الإنتاج والصادرات، بهدف الحد من تعرض السوق المحلية لصدمات خارجية محتملة.
