الدولار مقابل الذهب أي الملاذات الآمنة التي تصمد أمام اضطرابات الأسواق

الدولار مقابل الذهب أي الملاذات الآمنة التي تصمد أمام اضطرابات الأسواق

يشهد سوق الأصول تزايد في الطلب على الأصول التي تُعتبر ملاذات آمنة، ويأتي ذلك في ظل الضغوط التي تواجهها أسهم التكنولوجيا بسبب المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واستمرار الحرب الإيرانية وما يفرضه من ضغوط على أسعار الطاقة، بالإضافة إلى تنامي القلق إزاء ارتفاع مستويات الدين الحكومي. ومع ذلك، لم تحقق الملاذات الآمنة التقليدية الأداء المتوقع من قبل المستثمرين خلال العام الجاري، حيث شهدت أسعار الذهب تراجعًا عقب اندلاع الحرب الإيرانية، بعدما لجأ المستثمرون إلى تسييل أصول حققت مكاسب قوية سابقًا لتعويض خسائرهم في أسواق أخرى. كما تشهد السندات الحكومية، التي عادةً ما تُعتَبَر من الأصول الأكثر أمانًا في العالم، تقلبات حادة وفقًا لمصادر مثل «رويترز».

أداء أبرز الملاذات الآمنة في الوقت الراهن

1. الدولار بين جاذبية الملاذ الآمن ومخاوف المستقبل

على عكس موجة بيع الأصول الأميركية التي سادت العام الماضي، شهد الدولار ارتفاعًا منذ اندلاع الحرب الإيرانية، حيث حقق مكاسب تقارب 4 في المائة منذ أواخر فبراير، مما عزز من مكانته كعملة ملاذ آمن يلجأ إليه المستثمرون خلال فترات الاضطراب العالمي، ويُعزى هذا إلى مدى قوة الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع أسعار الفائدة، ومكانة الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للطاقة.

ومع ذلك، لا تزال هناك عوامل تثير الشكوك حول قدرة الدولار على الحفاظ على مكانته كملاذ آمن على المدى الطويل، أبرزها تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية، بالإضافة إلى تعرض الدولار لضغوط إذا تراجعت أسهم التكنولوجيا، خاصة بعد استفادته من تدفقات رأسمالية قياسية لدعم أسهم الشركات الأميركية، مدفوعة بالتفاؤل حول طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وقال كيت جوكس، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في «سوسيتيه جنرال»، إن «الدولار قد يكون اقترب من نهاية دورته الصعودية»، مضيفًا أن «هناك حدودًا لمزيد من الارتفاع»، مع ذلك، أشار إلى أن «القصة الرئيسية على المستوى العالمي تدور حول أن الدولار عملة نفطية، ونحن الآن في خضم أزمة طاقة».

2. اضطرابات أوروبا تعزز جاذبية الفرنك السويسري

أحد الدروس المستفادة من الاضطرابات الأخيرة في أسواق السندات، خاصة بعد التطورات في فرنسا، هو أن الفرنك السويسري يظل من أبرز الملاذات التي يتجه إليها المستثمرون عند وقوع اضطرابات داخل أوروبا، حيث ارتفع الفرنك بأكثر من 2 في المائة أمام اليورو منذ بداية أكتوبر، ليقترب من تحقيق أكبر مكاسبه الشهرية منذ أواخر عام 2023.

وقالت جورجيت بول، كبيرة استراتيجيي العملات الأجنبية والنفط في «إيه بي إن أمرو»، إن «المخاوف حول المالية العامة الفرنسية، وعدم اليقين المرتبط بالانتخابات في فرنسا وإسبانيا، دفعت المستثمرين إلى التوجه نحو الفرنك السويسري».

وأوضحت أن المستثمرين باتوا أقل رغبة في استخدام الفرنك لتمويل صفقات العائد، ويفضلون تجنب المراهنة على تراجع عملة تتمتع بخصائص الملاذ الآمن، خاصة أن أسعار الفائدة السويسرية التي تبلغ صفرًا جذابة لصفقات العائد التي يقترض فيها المستثمرون بعملة منخفضة الفائدة لتمويل استثمارات بأصول ذات عوائد أعلى في الأسواق الأخرى.

ويرى محللون أن المخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي تعزز أيضًا من جاذبية الفرنك السويسري، وسط تزايد التحوط من المخاطر في الأسواق العالمية.

3. السندات الألمانية تبرز كملاذ آمن نسبيًا

تراجعت جاذبية السندات الحكومية كملاذ آمن بسبب المخاوف المتعلقة بالأوضاع المالية العامة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة واليابان إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، إلا أن موجة بيع الأسهم، الناتجة عن القلق بشأن قطاع التكنولوجيا، أدت إلى عودة بعض الطلب على السندات.

وفي سياق ذلك، برز تطور مهم؛ حيث بلغت عوائد السندات الأميركية والفرنسية لأجل عشر سنوات أعلى مستوياتها منذ 24 عامًا، في حين تراجعت عوائد السندات الألمانية مع ارتفاع أسعارها، مما يدل على أن السندات الألمانية، المصنفة بفضل تصنيفها الائتماني الممتاز «إيه إيه إيه»، ما تزال تعتبر ملاذًا آمنًا بين الاقتصادات الكبرى.

وقال يواخيم ناغل، رئيس البنك المركزي الألماني، إن ألمانيا ستظل ركيزة للاستقرار في أوروبا خلال اضطرابات أسواق السندات، مضيفًا أنها «تستعيد عافيتها» بعد سنوات من الركود.

وأعرب جوناثان أوين، مدير المحافظ الاستثمارية في «توينتي فور أسيت مانجمنت»، عن أن «القلق السائد هو من انتقال العدوى في أوروبا، واحتمال أن تتبع السندات الألمانية نظيرتها الفرنسية والإيطالية، ومن الجيد أن تكون السندات الألمانية أداة للتحوط من المخاطر في المنطقة».

4. السندات قصيرة الأجل… خيار أقل عرضة لمخاطر الديون

يعتقد المستثمرون أن ارتفاع مستويات الدين في الاقتصاديات الكبرى سيستمر في تقويض جاذبية السندات طويلة الأجل كملاذ آمن، في حين توفر السندات قصيرة الأجل حماية نسبية أكبر، نظرًا لقصر عمرها وحساسيتها الأقل للمخاوف المرتبطة بالدين والعجز، مقارنة بالسندات الأطول.

وقال روري ماكفرسون، كبير استراتيجيي الأسواق في «رين ستيرلينغ»: «نفضل بشدة السندات قصيرة الأجل»، مضيفًا أن «في ظل كل تلك المخاوف حول الديون والعجز، لم نعد نشتري السندات طويلة الأجل».

5. الذهب يحافظ على جاذبيته رغم التذبذب

على الرغم من مكانة الذهب كأحد أبرز الملاذات الآمنة التقليدية، إلا أن أسعاره شهدت تقلبات خلال العام، حيث سجلت مستوى قياسيًا عند 5,595 دولارًا للأونصة في يناير، ثم تراجعت عقب اندلاع الحرب الإيرانية، بعد أن لجأ المستثمرون إلى تسييل المعدن النفيس لتعويض الخسائر في الأسواق الأخرى.

غير أن الذهب استأنف تقدمه في أغسطس، مع تصاعد المخاوف بشأن التضخم، وتزايد القلق من أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قد لا يبذل ما يكفي من جهود لاحتواء الضغوط التضخمية، ويُتداول الآن عند نحو 4,175 دولارًا للأونصة.

ويعزو المحللون استمرار أداء الذهب فوق مستوى 4,000 دولار إلى استمرار شراء البنوك المركزية للذهب، وارتفاع الطلب عليه كملاذ آمن، مع التوقع بأن أسعار الفائدة المرتفعة ستحد من إمكانات ارتفاعه، إلا أن التوترات الجيوسياسية، وتزايد المخاوف بشأن المالية العامة في الولايات المتحدة، قد تعزز من جاذبيته على المدى الطويل.

وقال كارستن مينكه، الباحث في «يوليوس باير»، إن «الذهب من المتوقع أن يستفيد على المدى الطويل من استمرار قوة عمليات شراء البنوك المركزية، وتجدد المخاوف بشأن الدين الأميركي وارتفاع أعباء الفائدة عليه».