وزارة الأوقاف تُبرز أهمية الذوق العام في خطبة الجمعة وتعزيز رُقي السلوك وجمال الأخلاق

وزارة الأوقاف تُبرز أهمية الذوق العام في خطبة الجمعة وتعزيز رُقي السلوك وجمال الأخلاق

الحمدُ للهِ الهادي إلى سواءِ السبيلِ، الحسيبِ الجليلِ، المَنَّانِ بالفضلِ الكبيرِ والخيرِ الجزيلِ، الذي جمَّل شريعتَه بآدابِ السلوكِ، وهذَّب عبادَه بمكارمِ الأخلاقِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أصفَى الناسِ نَفْسًا، وأعظمُهم خُلُقًا وتوقيرًا، أرسلهُ ربُّهُ هاديًا ومُؤَدِّبًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أمَّا بعدُ، فيا عبادَ اللهِ:

حَافِظُوا على أوطانِكُمْ ورفعَتها

احرصوا على الحفاظ على أوطانكم، واجعلوا رفعتَها نصبَ أعينِكم، فحمايتُكم لها من أسمى واجباتِكم، والعمل على تطويرِها وسُبولِ ترقيتِها هو طريقُ نهضتِها وتقدمِها، فرفعةُ الأوطانِ لا تَتَحقَّقُ بقوةِ البنيانِ فقط، بل تعتمدُ بشكلٍ رئيسيٍّ على رُقيِّ الإنسانِ وأخلاقِه، وسموِّ ذوقِه، واحترامِه للآخرين، ومراعاته لمشاعرِهم؛ فَاعلَموا أنَّ الذوقَ الرفيعَ من دلائلِ الإيمانِ، ومن مقاصدِ الحفاظِ على الأوطانِ، إذ لم يقتصر دينُنا الحنيفُ على تنظيمِ العباداتِ فحسب، بل شملَ أيضًا تهذيبَ الظاهرِ والباطنِ، وبناءَ علاقاتٍ بينَ الناسِ على أساسِ مِنَ الرقيِّ والرحمةِ، والتواضعِ، والحفاظِ على الكرامةِ، ومراعاةِ المشاعرِ. فكونوا من أصحابِ الذوقِ الرفيعِ، وسريرةِ القلبِ الصافية، وروحِ القلبِ الجميلة، حتى تنعموا بصفاءِ الودِّ، وتُسعدوا المعوزينَ، وتُضحكوا المقهورينَ، وتُمنحوا الأملَ للمحبطين، ولا تتكلفوا أصولَ الأدبِ، بل اجعلوا سلوككم المهذَّبَ طبيعةً فيكم، تنبع من قلبكم، فتفيضُ بالحبِّ والرحمةِ على العالمينَ، فتصبحون مصدرَ سعادةٍ وارتياحٍ لمن حولكم، وتُحِبُّونَ الوجودَ كما تحبون أنفسَكم، وتستلهمونَ هديَ نبيِّكم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكنْ فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا.

احترام الأماكن والمرافق العامة

يا أخي الكريم، احفظ الأماكنَ والمرافقَ العامةَ، واحترم حقوقَ الطريقِ وآدابَ التعاملِ، فهي أمانةٌ مشتركةٌ ومسؤوليةٌ جماعية، فاحرص على كفِّ الأذى بكل أشكالهِ، وتجنَّبِ الإزعاجَ المتعمدَ، وانظر في نظافةِ مظهركَ، واهتم بنظافةِ رائحتكَ، فذلك من سماتِ المسلمِ الطيبِ بينَ الناسِ، حتى تُحبَّك النفوسُ ولا تنفُرَ منكَ. وقد أرشدنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى الاهتمامِ بحقِ الطريقِ، فقال: «إيَّاكم والجلوسَ في الطرقاتِ»، فسأل الصحابةُ: يا رسولَ اللهِ، ماذا علينا إذا كانت مجالسُنا في الطرقاتِ؟ فقال: «فإذا أَتَيتُم المَجمِلَ فَأعطوا الطريقَ حَقَّهُ»، قالوا: وما حقوقُ الطريقِ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «غضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنَّهيُ عن المنكرِ»، وبهذا نُعلي من شأنِ الأوطانِ وتكونُ في أبهى صورِها، وفقًا لقولِ الله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِى ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَاحِهَا} [الأعراف: ٥٦].

احترام الخصوصية وصيانة الكرامة

واعتَبرْ أنَّ احترامَ الخصوصياتِ وصيانةَ الكرامةِ الإنسانيةِ من أهمِ مقاصد الشريعةِ، فهي تجسيدٌ لقيمِ الإسلامِ في أبهى صورِها العمليةِ، وحذرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من إيذاءِ الجارِ وانتهاكِ الحُرماتِ، فقال: «واللهِ لا يُؤمنُ، واللهِ لا يُؤمنُ، واللهِ لا يُؤمنُ»، قيلَ: مَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الذي لا يأمنُ جارهُ بوائقَهُ»، فهي مساحةُ حياةٍ خاصةً لكل إنسان، ويجبُ أن تظلَّ مصونةً ومحميةً، وأن لا يُعتدى عليها بأي شكلٍ من أشكالِ التطفلِ أو التصويرِ غيرِ المبرَّرِ أو الإحراجِ المقصودِ. وعندما يتحولُ الذوقُ العامُّ من مجردِ كفِّ الأذى إلى المبادرةِ بِصناعةِ المعروفِ، وتقديمِ الابتسامةِ، فإن الأماكنَ العامةَ تتحولُ إلى واحاتِ ترابطٍ وتراحمٍ، وفقًا لقولِ اللهِ تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰ، وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثمِ وَٱلۡعُدۡوَانِ} [المائدة: ٢].

الوعي المسؤول في البيئة الرقمية

أيُّها النبيلُ، لا تتغافلْ عن تأثير كلماتِك وتعليقاتِك ومشاركاتِك في العالمِ الرقميِّ، فهو ميدانٌ واسعٌ تُختَبرُ فيه أخلاقُكَ وقيمُكَ الحقيقية، فليسَ كلُّ ما يُسمعُ يُقالُ، ولا كلُّ ما يُنشرُ على الشاشاتِ يُصدَّقُ أو يُنَشَّطُ. وقد أوصانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتحكمِ في اللسانِ، فقال: «مَنْ كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ»، فحذارِ أن تكون سببًا في هدمِ المجتمعِ بنشر الشائعاتِ، أو التنمرِ، أو انتهاكِ خصوصيةِ الآخرينَ، أو تشويهِ سمعتِهم، أو الاستيلاءِ على حقوقِهم. ولا تنسَ أن اللهَ عزَّ وجلَّ أمرَنا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]. فكنْ داعيةَ خيرٍ، واحببْ الكلمةَ الطيبة، فهي أساسُ الصلاحِ، ومفتاحُ الإصلاحِ، وفعل الخيرِ في القولِ، يُبقى في النفوسِ الخيرَ والودَّ.