«أصل التسمية يكشف المستور».. من وحي القهوة والفكاهة: قصص غير متوقعة وراء أسماء لغات البرمجة الأكثر شهرة

في عالم التكنولوجيا، نتعامل غالبًا مع أسماء لغات البرمجة كحقائق ثابتة، دون التفكير في أصل هذه التسميات وأسباب اختيارها، عالم لغات البرمجة لا يقتصر على الخوارزميات المعقدة والأدوات القوية، بل يزخر أيضًا بالتاريخ، فكل لغة برمجة تحمل قصة فريدة وراء نشأتها، قد تكون هذه القصة مرتبطة بقاعات الجامعات، أو نكتة بين المطورين، أو حتى لحظة إلهام على مكتب مبرمج شغوف، في هذه المقالة، سنستكشف كيف اكتسبت لغات البرمجة أسماءها، ونكشف عن الإلهام والمنطق، وحتى الفكاهة التي تقف وراءها.



مصدر الصورة

عند الحديث عن لغات البرمجة، نجد أن التسمية غالبًا ما تكون مزيجًا من الاعتبارات التقنية والتأثيرات الثقافية.

### بدايات الحوسبة.. أصول الأسماء

عملية تسمية لغات البرمجة غالبًا ما تجمع بين الجوانب التقنية والتأثيرات الثقافية، وفي بعض الأحيان، تكون نتاج إبداع خالص، فقد يعكس اسم اللغة هدفها، أو خلفية مؤسسها، أو حتى يكون إشارة إلى لغة أو تقنية أخرى موجودة، فهم أسباب اختيار هذه الأسماء يساعدنا على فهم تطور لغات البرمجة نفسها، رحلة لغات البرمجة بدأت في الخمسينيات مع لغة “فورتران” (Fortran)، وهي لغة برمجة عالية المستوى ابتكرتها شركة “آي بي إم” (IBM)، اسمها يرمز إلى “ترجمة الصيغ” (Formula Translation)، وهذا يعكس بوضوح الهدف الأساسي للغة، وهو تحويل الصيغ الرياضية إلى تعليمات برمجية قابلة للتنفيذ، بساطة الاسم ووضوحه أبرزا تركيز اللغة على الحوسبة العلمية.

### التأثيرات الثقافية والشخصية في أسماء لغات البرمجة

مع توسع عالم البرمجة، ازداد تأثير المرجعيات الثقافية والشخصية في عملية التسمية، لغة “سي” (C)، التي طورها “دينيس ريتشي” (Dennis Richie) في “مختبرات بيل” (Bell Labs) في السبعينيات، جاءت خلفًا للغة “بي” (B)، التدرج من “بي” إلى “سي” يعكس منطقًا في التسمية، ولكنه يحمل أيضًا ارتباطًا بالأبجدية، مما يشير إلى مكانة اللغة في تطور الحوسبة، لاحقًا، قام “بيارن ستروستروب” (Bjarne Stroustrup)، وهو مبرمج آخر في “مختبرات بيل”، بتطوير لغة “سي مع الفئات”، والتي أعيد تسميتها لاحقًا إلى “سي بلس بلس” (++C)، وهذا الاسم يشير إلى التحسين الهيكلي والتطور التدريجي الذي طرأ على لغة “سي” الأصلية، أما لغة “بايثون” (Python) فقد سُميت تيمنًا بالمسلسل الكوميدي البريطاني الشهير “فلاينغ سيركس” (Flying Circus) لفرقة “مونتي بايثون” (Monty Python)، وهو المسلسل المفضل لدى مبتكرها “غيدو فان روسوم” (Guido Van Rossum)، وبالمثل، سُميت لغة “روبي” (Ruby) التي ابتكرها “يوكيهيرو ماتسوموتو” (Yukihiro Matsumoto) نسبة إلى جوهرة الياقوت الثمينة، لأن المبتكر أراد أن تكون اللغة قيمة وجميلة، وقد استلهم الاسم من لغة البرمجة “بيرل” (Perl).

### ظهور الاختصارات في أسماء لغات البرمجة

في الثمانينيات والتسعينيات، بدأت لغات البرمجة تعتمد الاختصارات كأسماء لها، هذه الاختصارات غالبًا ما تعكس الميزات التقنية للغات أو الأغراض التي تخدمها، مثال على ذلك لغة ترميز النص التشعبي “إتش تي إم إل” (HTML)، التي يعكس اسمها وظيفتها بدقة، وهي إنشاء مستندات نص تشعبي للويب، قد يوحي اسم “إتش تي إم إل” ببساطة هذه اللغة، لكنها في الواقع تتميز بكفاءة عالية في أداء دورها الأساسي في بيئة تطوير الويب، مثال آخر هو لغة الاستعلام الهيكلية “إس كيو إل” (SQL)، التي طورتها شركة “آي بي إم” (IBM) في أوائل السبعينيات، اسمها يجسد الغرض الأساسي منها، وهو التفاعل مع البيانات الهيكلية، في الأصل، كانت هذه اللغة تُسمى “سيكويل” (Sequel)، أي لغة الاستعلام الإنجليزية الهيكلية، ولكن بسبب مشكلة تتعلق بالعلامة التجارية، تم اختصار الاسم إلى “إس كيو إل”، لغة صفحات التنسيق النمطية “سي إس إس” (CSS)، المصممة لإضافة أنماط إلى صفحات الويب، تتبع أسلوب تسمية مشابه، حيث يعكس الاسم كيفية انتقال الأنماط من مستوى إلى آخر في صفحة الويب، مما يوفر هيكلًا هرميًا لتصميم الويب، من ناحية أخرى، اختار “بريندان آيخ” (Brendan Eich) اسم “جافا سكريبت” (JavaScript) لأسباب تسويقية، للاستفادة من شعبية “جافا” في منتصف التسعينيات، على الرغم من كونها لغة مختلفة تمامًا، اسم “جافا سكريبت” كان في البداية “موكا” (Mocha)، ثم أعيد تسميته إلى “لايف سكريبت” (LiveScript)، وأخيرًا “جافا سكريبت”.



مصدر الصورة

### الفكاهة والمرح في أسماء لغات البرمجة

ليست كل أسماء لغات البرمجة عملية أو جدية، بعض المبدعين أضفوا عليها لمسة من الدعابة والفكاهة، على سبيل المثال، قام مهندسو “غوغل” (Google) بتطوير لغة “غو” (Go)، المعروفة أيضًا باسم “غولانغ” (Golang)، لتكون لغة بسيطة وسريعة وفعالة، اسم “غو” مختصر ومباشر ويعكس هدف اللغة المتمثل في السرعة والبساطة، وبالمثل، تعكس لغة “سويفت” (Swift)، التي طورتها “آبل” (Apple)، الغرض المقصود منها، فهي تمثل طريقة سريعة وفعالة لتطوير تطبيقات “آي أو إس” (iOS) و”ماك أو إس” (macOS)، الاسم لا يقتصر على سرعة اللغة نفسها، بل يعكس أيضًا سهولة الاستخدام التي تسعى “آبل” إلى تحقيقها في منتجاتها، هناك أيضًا “سكراتش” (Scratch)، وهي لغة برمجة بصرية مصممة للأطفال، واسمها يوحي بفكرة البدء من الصفر أو بناء شيء جديد تمامًا، هذا الاسم المرح يشجع الجمهور الأصغر سنًا على التفاعل مع البرمجة من خلال جعلها أكثر سهولة ومتعة.

### تأثير اتجاهات الصناعة في اصطلاحات التسمية

مع تطور صناعة التكنولوجيا، تطورت أيضًا اتجاهات تسمية لغات البرمجة، لغة البرمجة “راست” (Rust) سُميت تيمنًا بفطر الصدأ المعروف بقدرته على الصمود، الاسم يرمز إلى هدف اللغة في منع ممارسات البرمجة السيئة، بالإضافة إلى تركيزها على سلامة الذاكرة وكفاءتها، وهما صفتان أساسيتان لبرمجة الأنظمة المنخفضة المستوى، في حين أن لغة البرمجة “كوتلين” (Kotlin) سُميت تيمنًا بجزيرة كوتلين القريبة من سانت بطرسبرغ الروسية، في إشارة إلى طابعها الأوروبي وأصولها في معهد سانت بطرسبرغ.

### تأثير العلامات التجارية للشركات في أسماء لغات البرمجة

في كثير من الأحيان، يتأثر اسم لغة البرمجة بجهود الشركات التي طورتها لبناء هويتها التجارية، “جافا” (Java) كانت في البداية تُسمى “أوك” (Oak) نسبة إلى شجرة بلوط كانت موجودة خارج مكتب مبتكر اللغة “جيمس جوسلينج” (James Gosling)، ولكن تبين أن هناك العديد من المشاكل المحتملة المتعلقة بحقوق النشر، مما استدعى تغيير الاسم إلى “جرين” (Green)، ثم أعيدت تسميتها لاحقًا إلى الاسم الذي نعرفه اليوم، “جافا”، والمشتق من “قهوة جافا” (Java Coffee)، وهو نوع من القهوة الإندونيسية، من هنا جاء شعار فنجان القهوة، وكان الاسم مناسبًا لأن المبرمجين يستهلكون كميات كبيرة من القهوة، كما ارتبط الاسم ارتباطًا وثيقًا بالطاقة والإبداع اللذين أراد مبتكرها أن تجسدهما لغته، وبالمثل، لغة البرمجة “سي شارب” (#C)، التي طورها “أندرس هيجلسبيرج” (Anders Hejlsberg)، تستخدم الرمز “شارب” كجزء من اسمها، في إشارة إلى الهدف منها في الارتقاء بمعايير لغات البرمجة، وفقًا لمبتكرها، كادت أن تُسمى لغة البرمجة “كول” (Cool)، ولكن هذا الاسم لم يكن مثاليًا لأسباب تتعلق بالعلامة التجارية.

في الختام، أسماء لغات البرمجة ليست مجرد علامات لمجموعة من التعليمات البرمجية، بل هي انعكاس للثقافة، التاريخ، الفلسفة، والأهداف الكامنة وراء إنشائها، سواء كانت مستوحاة من الوظيفة، الثقافة، الفكاهة، أو الهوية التجارية، كل اسم يحكي قصة فريدة عن عالم البرمجة والأشخاص الذين يشكلونه.