يشهد عالم التكنولوجيا تحولًا جذريًا مع استثمار عمالقة الصناعة مبالغ طائلة في تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، هذا التوجه يعكس الأهمية المتزايدة لهذه التقنية وتأثيرها المحتمل على مختلف جوانب حياتنا، وشركات مثل ” ميتا ” و” مايكروسوفت ” تخططان لإنشاء محطات طاقة نووية جديدة لتلبية احتياجات مراكز البيانات الضخمة، بينما كشفت ” أوبن إيه آي ” عن مشروع “ستارغيت” الطموح بدعم من الرئيس السابق دونالد ترامب، والذي يهدف إلى استثمار 500 مليار دولار في بناء 10 مراكز بيانات عملاقة، قد يستهلك الواحد منها طاقة تفوق الاستهلاك الكلي لولاية نيوهامبشير الأميركية، هذا يعكس حجم الرهان على مستقبل الذكاء الاصطناعي والقدرات الهائلة التي يتطلبها.
إلى جانب ذلك، تعتزم شركة ” آبل ” تخصيص مبلغ مماثل قدره 500 مليار دولار للاستثمار في التصنيع ومراكز البيانات داخل الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة، وفي المقابل، تتوقع “غوغل” أن يصل إنفاقها على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى 75 مليار دولار في عام 2025 وحده، هذه الأرقام تعكس التنافس الشرس بين الشركات الكبرى للفوز بحصة في سوق الذكاء الاصطناعي المتنامي، والاستعداد لضخ استثمارات ضخمة لتحقيق ذلك.
هذا المستوى من الإنفاق يعتبر غير مسبوق في عالم التكنولوجيا، ويمثل تحولًا نوعيًا مدفوعًا بالطلب المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ففي الفترة بين عامي 2005 و2017، ظل استهلاك الكهرباء لمراكز البيانات مستقرًا نسبيًا بفضل التحسينات في الكفاءة، وذلك على الرغم من التوسع الهائل في خدمات الإنترنت مثل “فيسبوك” و”نتفليكس”,
لكن مع ظهور الذكاء الاصطناعي في عام 2017، تغير هذا الوضع بشكل كبير، حيث بدأت مراكز البيانات تعتمد على أجهزة أكثر استهلاكًا للطاقة، مما أدى إلى مضاعفة استهلاكها للكهرباء بحلول عام 2023, وتشير أحدث الدراسات إلى أن مراكز البيانات تستهلك حاليًا حوالي 4.4% من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة,
ومع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، الذي يزداد تخصيصًا وقدرة على التفكير وحل المشكلات المعقدة، يبدو أن استهلاكنا الحالي للطاقة ما هو إلا البداية مقارنة بما هو قادم، فوفقًا لتوقعات نشرها مختبر لورانس بيركلي الوطني، من المتوقع أن تستهلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي أكثر من نصف الكهرباء المخصصة لمراكز البيانات بحلول عام 2028، هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يستهلك وحده طاقة سنوية تعادل 22% من إجمالي استهلاك المنازل الأميركية,
لماذا يتطلب تدريب نموذج ذكاء اصطناعي الكثير من الموارد؟
يعزى الارتفاع الكبير في استهلاك الطاقة والموارد إلى طبيعة عملية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث تتطلب هذه العملية ضبط مليارات المتغيرات من خلال عمليات حسابية معقدة ومتكررة، هذا الأمر يستلزم وجود بنية تحتية للحوسبة عالية الأداء (HPC) تتضمن آلاف وحدات معالجة الرسومات (GPU) ووحدات المعالجة المركزية (CPU)، بالإضافة إلى وحدات معالجة مخصصة للذكاء الاصطناعي تعرف باسم (TPU)، وهي شرائح مصممة خصيصًا لتسريع عمليات التعلم الآلي,
تعمل هذه الأجهزة بتناغم و توازي على مدار أسابيع أو حتى أشهر لإتمام عملية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وخلال هذه الفترة يتم استهلاك كميات هائلة من الكهرباء، مما يجعل تكاليف تدريب هذه النماذج باهظة للغاية، ولا تستطيع تحملها سوى عدد قليل من الشركات الكبرى، أما الشركات الصغيرة ذات الموارد المحدودة، فسوف تستغرق وقتًا أطول لتدريب نماذجها، مما يؤدي إلى زيادة تراكمية في استهلاك الطاقة,
على سبيل المثال، يتطلب تدريب نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة مثل “شات جي بي تي 4” موارد حاسوبية هائلة، وتشير الأبحاث إلى أن تدريب نموذج “جي بي تي 3” استهلك حوالي 1287 ميغاواط/ساعة من الكهرباء، مما أدى إلى انبعاث 502 طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل تقريبًا انبعاثات 112 سيارة تعمل بالبنزين لمدة عام كامل,
ومن الجدير بالذكر أن نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى إعادة تدريب بشكل دوري للحفاظ على فعاليتها وملاءمتها، وهو ما يزيد من استهلاك الطاقة، بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي أعطال البنية التحتية، وعدم كفاءة البرامج، والتعقيد المتزايد لنماذج الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الضغط على الموارد، مما يجعل تدريب الذكاء الاصطناعي من بين أكثر المهام الحاسوبية استهلاكًا للموارد في العصر الحديث,
وفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بلغ استهلاك مراكز البيانات حول العالم 460 تيراواط/ساعة من الكهرباء في عام 2022، وتشير التوقعات إلى أن هذا الرقم قد يتجاوز 1000 تيراواط/ساعة بحلول عام 2026، أي ما يعادل ثلث إنتاج المفاعلات النووية في العالم خلال عام واحد، أو تقريبًا حجم استهلاك الكهرباء في اليابان بأكملها,
في الصين، من المتوقع أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات ليصل إلى 400 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2020، وفي شمال شرق الولايات المتحدة، من المتوقع أن تصبح مراكز البيانات عاملاً رئيسيًا في زيادة الطلب على الكهرباء,
ينطبق الوضع ذاته على أوروبا، حيث يشهد السوق نموًا سريعًا، ففي أيرلندا على سبيل المثال، استهلكت مراكز البيانات حوالي 5,3 تيراواط/ساعة في عام 2022، أي ما يعادل 17% من إجمالي استهلاك الكهرباء في البلاد، وإذا استمر هذا النمو، فمن المتوقع أن يتضاعف استهلاكها بحلول عام 2026 ليصل إلى 32% من إجمالي الطلب على الكهرباء، خاصة مع الانتشار المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي,
الذكاء الاصطناعي يستهلك أكثر من مجرد طاقة
لا يقتصر استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على الكهرباء فقط، بل يتعداه إلى الحاجة لأنظمة تبريد ضخمة لضمان التشغيل الآمن للأجهزة، فالخوادم والموجهات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة لمعالجة البيانات، مما يولد حرارة هائلة، لذا فإن أنظمة التبريد عالية الكفاءة تعتبر ضرورية جدًا لمنع ارتفاع درجة حرارة الأجهزة,
تشير التقديرات إلى أن أنظمة التبريد قد تستهلك طاقة تقارب ما تستهلكه الأجهزة نفسها، ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، قد تستهلك أنظمة التبريد في مراكز البيانات ما يصل إلى 40% من إجمالي استهلاك الطاقة السنوي لهذه المراكز,
تعتمد مراكز البيانات على استخدام المياه لتبريد خوادمها بكفاءة، وذلك من خلال أنظمة تكييف الهواء والمبردات وأجهزة الترطيب، يعتبر تبريد الخوادم باستخدام الماء أكثر كفاءة من تكييف الغرف بأكملها، إلا أن هذا الاستخدام المكثف للمياه يمكن أن يضغط على الموارد المحلية، كما حدث في مدينة ذا داليس بولاية أوريغون الأميركية، حيث تستهلك مراكز بيانات غوغل أكثر من 25% من مياه المدينة، ومع تزايد الطلب على الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن يرتفع استهلاك المياه العذبة بشكل ملحوظ,
بالإضافة إلى الطاقة والمياه، تتطلب مراكز البيانات مساحات واسعة، فغالبًا ما تغطي مراكز البيانات حوالي 9 آلاف متر مربع، بينما يمتد أحد أكبر مراكز البيانات في الولايات المتحدة “سويتش تاهو رينو” على مساحة 669 ألف متر مربع، أي أكبر من مبنى البنتاغون نفسه,
على الصعيد العالمي، ارتفع عدد مراكز البيانات من أقل من 8 آلاف مركز في يناير/كانون الثاني 2021 إلى 10 آلاف و978 مركزًا بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو مع تزايد الطلب على الذكاء الاصطناعي، مما يعني زيادة الحاجة إلى الأرض والطاقة والمياه,