التكلفة الخفية للطف.. لماذا تجد بعض النساء صعوبة في وضع الحدود وقول "لا"؟ - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يُنظر إلى اللطف والتعاطف ومساعدة الآخرين على أنها صفات إيجابية ومحببة في أي مجتمع، لكن عندما يتحول اللطف إلى التزام دائم بإرضاء الآخرين على حساب النفس، فقد يصبح عبئًا نفسيًا وعاطفيًا يصعب تحمله، وتشير دراسات ومناقشات متزايدة في مجال الصحة النفسية إلى أن كثيرًا من النساء يواجهن صعوبة في وضع حدود واضحة أو رفض الطلبات غير المناسبة بسبب الضغوط الاجتماعية والثقافية التي تشكلت منذ سنوات الطفولة.

ويرى متخصصون أن هذه السلوكيات لا ترتبط بطبيعة المرأة فقط، بل تتأثر بشكل كبير بالرسائل التي تتلقاها منذ الصغر حول كيفية التصرف وما هو السلوك المقبول اجتماعيًا، الأمر الذي قد ينعكس لاحقًا على علاقاتها الشخصية والمهنية وصحتها النفسية.

كيف تبدأ المشكلة منذ الطفولة؟

منذ السنوات الأولى، تتعرض الفتيات لسلسلة من الرسائل التي تشجعهن على أن يكنّ هادئات ومتعاونات ومتفاهمات. وغالبًا ما يتم الثناء على الفتاة التي تتجنب الخلافات وتلبي احتياجات الآخرين وتتحلى بالصبر، بينما قد يُنظر إلى التعبير عن الغضب أو الاعتراض أو الرفض باعتباره سلوكًا غير مرغوب فيه.

ووفقا لموقع HEALTH في المقابل، يحصل الأولاد في كثير من الأحيان على مساحة أكبر للتعبير عن آرائهم والدفاع عن حقوقهم وإظهار الطموح والمنافسة،  ومع تكرار هذه الرسائل، تبدأ بعض الفتيات في ربط قيمتهن الشخصية بمدى قدرتهن على إسعاد الآخرين وتلبية توقعاتهم.

ومع مرور الوقت، قد تترسخ قناعة داخلية بأن الرفض أو وضع الحدود قد يؤدي إلى خسارة الحب أو القبول الاجتماعي، وهو ما يدفع العديد من النساء إلى تجنب المواجهة حتى عندما يكون ذلك على حساب راحتهن النفسية.

عندما تصبح الموافقة الدائمة عبئًا

قد تبدو الاستجابة المستمرة لاحتياجات الآخرين تصرفًا إيجابيًا في البداية، لكنها قد تتحول إلى مصدر للإجهاد والاستنزاف النفسي مع الوقت،  فالمرأة التي تجد صعوبة في قول "لا" قد تتحمل مسؤوليات إضافية في المنزل أو العمل، وتوافق على طلبات لا ترغب في تنفيذها، وتتجاهل احتياجاتها الشخصية من أجل إرضاء المحيطين بها.

هذا السلوك قد يؤدي إلى الشعور بالإرهاق العاطفي، والضغط النفسي المستمر، والإحساس بعدم التقدير، خاصة عندما لا يقابل هذا العطاء بالتقدير أو الدعم المتوقع، كما أن كبت المشاعر بشكل متكرر قد يزيد من مستويات التوتر والقلق، وقد ينعكس على الصحة النفسية والجسدية على حد سواء.

تأثير الضغوط الاجتماعية داخل الأسرة

في العديد من المجتمعات، لا تزال المرأة تُصوَّر باعتبارها الطرف المسؤول عن تقديم الرعاية والدعم العاطفي للأسرة. وغالبًا ما يُنتظر منها أن تدير مسؤوليات متعددة في الوقت نفسه، مع الحفاظ على الهدوء والصبر والمرونة.

هذه الصورة المثالية قد تدفع بعض النساء إلى الشعور بالذنب عند طلب المساعدة أو تخصيص وقت لأنفسهن. كما قد يعتقدن أن الاهتمام باحتياجاتهن الخاصة نوع من الأنانية، رغم أن العناية بالنفس تعد جزءًا أساسيًا من الصحة النفسية والتوازن الحياتي.

تحديات إضافية داخل بيئة العمل

لا تتوقف الضغوط عند حدود المنزل، بل تمتد إلى بيئة العمل أيضًا. فكثير من النساء يشعرن بضرورة الظهور بمظهر الشخص المتعاون والمرن طوال الوقت، ما قد يجعلهن أكثر عرضة لقبول مهام إضافية أو تحمل أعباء تفوق قدراتهن.

وفي بعض الحالات، قد تتردد المرأة في التعبير عن رأيها أو الاعتراض على قرار معين خوفًا من أن تُوصف بأنها صعبة المراس أو غير متعاونة،  كما قد تلجأ إلى الاعتذار المتكرر أو التقليل من إنجازاتها للحفاظ على صورة اجتماعية مقبولة، ويؤكد مختصون أن هذا النمط من السلوك قد يحد من فرص التطور المهني ويؤثر على الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرارات.

اللطف لا يعني التضحية بالنفس

يشدد خبراء الصحة النفسية على أن اللطف الحقيقي لا يتعارض مع وضع الحدود الشخصية. فالتعاطف مع الآخرين لا يعني تجاهل الاحتياجات الخاصة أو القبول بكل الطلبات دون استثناء.

وتعد القدرة على قول "لا" عند الحاجة مهارة صحية تساعد على حماية التوازن النفسي والعاطفي،  كما أن التعبير عن المشاعر بوضوح واحترام لا يقلل من قيمة الشخص أو لطفه، بل يعزز العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل، فالعلاقات الصحية لا تُبنى على التضحية المستمرة، وإنما على التفاهم والتواصل الصادق واحترام احتياجات جميع الأطراف.

كيف يمكن تعزيز الثقة ووضع الحدود؟

يرى المختصون أن الخطوة الأولى تبدأ بإدراك أن وضع الحدود ليس تصرفًا أنانيًا، بل حق طبيعي يحافظ على الصحة النفسية والكرامة الشخصية،  كما يساعد تعلم مهارات التواصل الحازم على التعبير عن الرأي والاحتياجات دون خوف أو شعور بالذنب، كذلك من المهم تشجيع الفتيات منذ الصغر على التعبير عن آرائهن واتخاذ قراراتهن والدفاع عن حقوقهن، إلى جانب تقدير صفات مثل الثقة بالنفس والاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار، وليس فقط اللطف والتضحية.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق