كربلاء.. أمانة الكلمة - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الحمد لله الذي جعل الحق نورًا لا تنطفئ مصابيحه، وجعل الباطل سرابًا يضمحل مهما امتد به الزمن، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين الذين حملوا أمانة الكلمة كما حملوا أمانة الرسالة، فكانوا ألسنة الصدق، وأعلام الحق، وحجج الله على خلقه.
إن من أعظم النعم التي أفاضها الله على الإنسان نعمة البيان، ومن أعظم الأمانات التي حمّله إياها أمانة الكلمة، فالكلمة ليست صوتًا عابرًا يتلاشى في فضاء الزمن، وليست حروفًا تتناثر ثم تذروها الرياح، بل هي مسئولية أمام الله، وأثر باقٍ في الحياة، وشهادة قد ترفع صاحبها إلى أعلى عليين أو تهوي به إلى أسفل سافلين. ولأجل ذلك جعل الله لكل لفظة حسابًا ولكل قول ميزانًا، فقال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، لأن الكلمة قد تكون مفتاح هداية أو باب ضلالة، وقد تكون سبب نجاة أو طريق هلاك، وما أكثر الأمم التي نهضت بكلمة حق، وما أكثر المجتمعات التي تهاوت تحت ركام كلمة زور.
ولقد أراد الله تعالى للإنسان المؤمن أن يكون شاهدًا للحق لا شاهدًا عليه، وأن يكون ناصرًا للحقيقة لا خاذلًا لها، فقال جل شأنه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. فالشهادة ليست كلمات تُقال، وإنما هي موقف يتجرد فيه الإنسان من أهوائه ومصالحه وعصبياته ليقف مع الحق حيث كان، ولو على نفسه أو أقرب الناس إليه. ولذلك كانت الشهادة أمانة، وكان كتمانها خيانة، وكان تحريفها ظلمًا عظيمًا، لأن ضياع الحقوق يبدأ غالبًا حين يسكت الشاهد، أو يخاف العالم، أو يبيع صاحب الكلمة ضميره بثمن قليل.
وقد أدرك رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- خطورة الكلمة وأثرها في مصير الإنسان فقال: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»، وقال أيضًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». فالكلمة الصادقة عبادة، والكلمة العادلة جهاد، والكلمة التي تدفع ظلمًا أو تنصر مظلومًا صدقة جارية في ميزان صاحبها. 
وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مدرسة الحق الناطق، وصوت العدالة الذي لم يعرف المساومة، فكان يقول: «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، وهي كلمة تختصر فلسفة الموقف كله، لأن الحق إذا لم يجد من ينطق به خفت صوته، وإذا لم يجد من يدافع عنه تجرأ عليه الباطل. ومن هنا جاءت الحكمة العظيمة التي تناقلها أهل العلم جيلًا بعد جيل: إذا سكت أهل الحق عن الباطل ظن أهل الباطل أنهم على حق. فالباطل لا يشتد عوده بقوته الذاتية، وإنما ينمو في ظلال الصمت، ويتغذى من خوف الصالحين وتردد الشرفاء. وما انتشرت فتنة إلا حين غاب صوت العقل، وما استحكم ظلم إلا حين سكت أهل الإنصاف، وما تمدد باطل إلا حين تقاعس أهل الحق عن أداء واجبهم في البيان.
وقد حذر أمير المؤمنين عليه السلام من الانخداع بالكثرة فقال: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه»، لأن الحق لا يُقاس بعدد أتباعه، كما أن الباطل لا يصير حقًا بكثرة المصفقين له. وقال عليه السلام: «اعرف الحق تعرف أهله»، فميزان المؤمن هو الحق لا الأشخاص، والبرهان لا الشهرة، والعدل لا العصبية. ومن هنا كان أهل البصيرة ينظرون إلى الحقائق بعين الإنصاف لا بعين الهوى، ويزنون الأقوال بميزان الدليل لا بميزان الانتماء.
ومن أقدس صور أمانة الكلمة أن يدافع الإنسان عن أهل الحق إذا تعرضوا للظلم أو التشويه أو الغيبة أو البهتان، فإن أهل الفضل كانوا على مر العصور هدفًا لسهام الحاقدين وألسنة المفترين، لأن أصحاب الباطل يعلمون أن تشويه حملة الحق أيسر عليهم من مواجهة الحق نفسه. ولذلك لم يكتف الإسلام بالنهي عن الغيبة، بل دعا إلى ردها والدفاع عن المؤمنين إذا انتهكت أعراضهم. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». لأن الكلمة التي تدفع ظلمًا لا تقل شأنًا عن اليد التي تمنع عدوانًا، ولأن السكوت عن البهتان نوع من المشاركة فيه وإن لم ينطق صاحبه بحرف.
ولقد جسد أهل البيت عليهم السلام أسمى صور الصدع بالحق والثبات عليه، وكان الإمام الحسين عليه السلام أعظم شاهد على أن الكلمة قد تكون أثمن من الحياة نفسها، حين خرج للإصلاح لا للسلطان، وللحق لا للدنيا، وقال كلمته الخالدة: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». فكان خروج إصلاح وليس خروج إفساد كفعل الخوارج في كل زمان، خروج دعوة وليس خروج ثورة كما روج أهل الباطل فكانت تلك الكلمات شعلة لم تنطفئ عبر القرون، وصارت مدرسة للأحرار في كل زمان ومكان، تعلمهم أن السكوت عن الظلم ليس حيادًا، وأن الحق لا يُترك لأنه قليل الأنصار، وأن المؤمن قد يخسر الدنيا إذا قال الحق ولكنه يربح نفسه وتاريخه ورضوان ربه.
وما أجمل ما قيل في أثر الكلمة وعظمتها تمثلا بموقف سيدنا الحسين عليه السلام من بيعة يزيد الظالم ورفضه لها بعد أن قالوا له إنها مجرد كلمة فقلها:
الكلمة نور
وبعض الكلمات قبور 
وبعض الكلمات قلاع شامخة، 
يعتصم بها النبل البشري.
الكلمة فرقان بين نبي وبغي،
بالكلمة تنكشف الغمة، 
الكلمة نور
ودليل تتبعه الأمة
عيسى ما كان سوى كلمة أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين
فساروا يهدون العالم
الكلمة زلزلت الظالم
الكلمة حصن الحرية 
إن الكلمة مسئولية
إن الرجل هو الكلمة
شرف الرجل هو الكلمة
إن بعض الكلمات تعد جسورا تعبر فوقها الأجيال نحو مستقبل أفضل. والكلمة الصادقة لا تموت بموت قائلها، بل تبقى حية في العقول والقلوب، ولذلك قال الحكماء:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
          فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وقالوا:
جراحات السنان لها التئام
                  ولا يلتام ما جرح اللسان
فكم من جرح أحدثه السيف فبرأ، وكم من جرح أحدثته كلمة فبقي أثره دهورًا. وكم من إنسان أعادته كلمة صادقة إلى طريق الهداية، وكم من مجتمع أصلحته كلمة مخلصة خرجت من قلب مؤمن يريد وجه الله.
إن إصلاح المجتمعات يبدأ من إصلاح الكلمة، لأن الكلمة هي التي تصنع الفكرة، والفكرة تصنع الموقف، والموقف يصنع السلوك، والسلوك يصنع التاريخ. فإذا صدقت الكلمة استقام الفكر، وإذا استقام الفكر استقام الإنسان، وإذا استقام الإنسان استقامت الأمة. أما إذا انتشرت الإشاعة، وضاعت الأمانة، وكُتمت الشهادة، وزُين الباطل، وشُوه أهل الحق، فإن الفساد يتسرب إلى النفوس كما يتسرب السم إلى الجسد حتى ينهك قواه ويقضي على حياته. ومن هنا كانت أمانة الكلمة من أعظم الواجبات، وكان قول الحق من أشرف العبادات، وكان الدفاع عن المظلومين ورد البهتان عن الصالحين من أسمى صور الوفاء لله ورسوله وأهل بيته عليهم السلام.
فطوبى لمن جعل لسانه ناطقًا بالحق، وقلمه خادمًا للعدالة، وشهادته لله لا للهوى، وموقفه مع المظلوم لا مع القوي، ولم يبع كلمته لمصلحة زائلة أو خوف عابر، فإن كلمة الحق قد تؤلم صاحبها ساعة ولكنها ترفعه عند الله دهرًا، أما كلمة الباطل فقد تنفع صاحبها حينًا لكنها تورثه خزيًا طويلًا وحسرة لا تنقضي. وصدق أمير المؤمنين عليه السلام إذ قال: «ما ترك لي الحق من صديق»، لأن طريق الحق شاق على النفوس، لكنه الطريق الذي يوصل إلى رضوان الله، وما عند الله خير وأبقى.
نسأل الله في ذكرى عاشوراء الحسين عليه السلام أن يجعلنا من أهل الصدق والإنصاف، وأن يرزقنا شجاعة الكلمة وعدالة الشهادة وثبات الموقف، وألا يجعلنا من الذين يرون الحق فيخذلونه أو يرون الباطل فيسكتون عنه، وأن يحشرنا مع سيدنا محمد وآله الطاهرين الذين بذلوا أرواحهم لتبقى كلمة الحق هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى، والحمد لله رب العالمين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق