فتنة صلاح عبد المقصود.. الخلط بين تزييف التاريخ وتكريم إرهابي - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

في النقابات كما في السياسة، هناك فارق كبير بين تسجيل الوقائع وبين الاحتفاء بأصحابها، وثمة فرق بين كتابة التاريخ وبين منح شهادة تقدير لأحد المشاركين في صناعته،  وفارق أكبر بين توثيق اسم شخص في حدث ما، وبين وضع هذا الاسم في إطار تكريمي يثير التساؤلات والاعتراضات.

لهذا بدا الجدل الذي صاحب بيان رسمي صادر عن مجلس نقابة الصحفيين بشأن الاحتفال بمرور ثلاثين عاما على إسقاط قانون اغتيال الصحافة جدلا طبيعيا ومفهوما لأصحاب العقول المنصفة وليست المؤدلجة والمغرضة، خاصة بعدما ورد اسم صلاح عبد المقصود، وزير الإعلام الإخواني الأسبق في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، ضمن الأسماء الواردة في البيان تحت عنوان تضمن الإشارة إلى «تكريم خاص» لمجلس نقابة الصحفيين المنتخب عام 1995.

منذ اللحظة الأولى، لم يكن الاعتراض على التاريخ، ولم يكن الاعتراض على عضوية صلاح عبد المقصود في مجلس 1995، فهذه واقعة تاريخية لا ينكرها أحد ولا يستطيع أحد محوها من سجلات النقابة، لكن الاعتراض كان على شيء آخر تماما، وهو إدراج الاسم في سياق احتفائي وتكريمي، ثم مطالبة المعترضين بالصمت تحت لافتة «عدم تزييف التاريخ».

والحقيقة أن الذين رفعوا شعار «عدم تزييف التاريخ» خلطوا عمدا أو جهلا بين أمرين مختلفين تماما، فالتاريخ يقول إن صلاح عبد المقصود كان عضوا في مجلس 1995، وهذه حقيقة ثابتة، لكن التاريخ نفسه لا يفرض على أحد أن يحتفي به أو يكرمه أو يضع اسمه ضمن قائمة مكرمين في مناسبة نقابية.

لم يطالب أحد بحذف اسمه من أرشيف النقابة، ولم يطالب أحد بإلغاء عضويته السابقة من سجلات المجلس، ولم يطالب أحد بإعادة كتابة وقائع التسعينيات، كل ما قيل ببساطة هو أن التكريم شيء، والتاريخ شيء آخر.

ولمن يدافعون عن وضع اسم صلاح عبد المقصود في بيان يوم الصحفي، فإن أحدا لم يطالب بتزييف التاريخ كما تزعمون. لم يطالب أحد بإنكار عضويته في مجلس 1995، لكن ليس مطلوبا أيضا من الجماعة الصحفية أن تحتفي بشخص صدرت بحقه أحكام قضائية وصلت إلى عشر سنوات في قضايا ارتبطت بأحداث  بحرق سيارات البث في اعتصام رابعة، كما ليس مطلوبا منها أن تتجاهل مواقفه وتصريحاته المثيرة للجدل خلال السنوات الماضية.

وليس مطلوبا كذلك أن تتناسى تصريحاته المتعلقة بالشهيد الحسيني أبو ضيف حينما صرح بأن أبو صيف كان يقف في صفوف الإخوان وقت اغتياله في 6 ديسمبر عام 2012، وهي التصريحات التي كانت محاولة منه لتبرئة القتلة الحقيقيين لأبو ضيف من ميليشيات الإخوان المسلحة في مجزرة الاتحادية، وإعادة تقديم رواية مغايرة للوقائع التي استقرت في وجدان الرأي العام الصحفي وفي وجدان وعقيدة القضاة الذين أصدروا أحكاما وصلت إلى 20 عاما في قضية اغتيال أبو ضيف ضد محمد مرسي و14 كتهما من قيادات الإخوان، كما لا يمكن تجاهل أن اسم الرجل ارتبط، لدى كثيرين، بمرحلة من أشد المراحل استقطابا وتناحرا في تاريخ المهنة والدولة.

وليس مطلوبا أيضا أن تتجاهل الجماعة الصحفية تصريحات أثارت عاصفة من الانتقادات، من بينها عبارته الشهيرة لإحدى الصحفيات: «ابقى تعالي وأنا أقولك فين»، ردا على سؤالها عن حرية الصحافة خلال مؤتمر جوائز مصطفى وعلي أمين في إحدى الفنادق في أبريل عام 2013، أو حديثه لمذيعة سورية خلال حوار تلفزيوني عندما قال: «يا ريت أسئلتك متكونش سخنة زيك»، وهي تصريحات ظلت حاضرة في ذاكرة الوسط الصحفي والإعلامي باعتبارها نموذجا لأداء وزير متحرش.

كما أن الاعتراض لا يتعلق بعضويته السابقة في مجلس النقابة فقط، وإنما يمتد إلى مسيرته السياسية والإعلامية اللاحقة، وإلى ارتباط اسمه بمجلة «الزهور» التي تحولت خلال فترة من الفترات إلى منبر لقيادات جماعة الإخوان وقيد عدد ليس بقليل من أعضاء الجماعة بالنقابة فضلا عن قيد أقاربه، بللإضافة إلى عما أثير بشأن تنسيقه مع أيمن نور في لقاءات خارجية في باريس استهدفت مهاجمة الدولة المصرية في المحافل الدولية.

لهذا فإن الاعتراض على إدراج الاسم في سياق تكريمي لا علاقة له بتزييف التاريخ، بل يتعلق بموقف نقابي وأخلاقي وسياسي من شخصية لا تزال محل انتقاد داخل الوسط الصحفي، فالتاريخ يكتب كما وقع، أما التكريم فهو اختيار يخضع للتقييم والمراجعة والاختلاف، ولا يجوز الخلط بين الأمرين أو استخدام أحدهما غطاء للآخر.

كان يمكن لمجلس النقابة أن تكتفي بتكريم مجلس 1995 ككيان جماعي دون الدخول في تفاصيل الأسماء، وكان يمكن أن تشير إلى الدور التاريخي الذي لعبه المجلس بقيادة النقيب الراحل إبراهيم نافع في إسقاط القانون دون أن تفتح بابا واسعا للجدل السياسي والنقابي، وكان يمكن أيضا أن تتجنب أزمة كاملة لو أنها أدركت منذ البداية أن بعض الأسماء أصبحت محل خلاف حاد داخل الجماعة الصحفية.

لكن ما حدث أن البعض تعامل مع الاعتراض وكأنه محاولة لمحو التاريخ، بينما كان في جوهره اعتراضا على منح دلالة تكريمية لشخصية تثير انقساما واسعا داخل الوسط النقابي.

الأكثر إثارة للدهشة أن بعض المدافعين عن إدراج الاسم لم يناقشوا جوهر الأزمة أصلا، بل اكتفوا بتوزيع الاتهامات على كل من اعترض، مرة بدعوى أنهم يزورون التاريخ، ومرة بدعوى أنهم يصادرون حق الآخرين في الاختلاف، ومرة ثالثة بدعوى أنهم يستهدفون أشخاصا بعينهم، لكن السؤال ظل قائما بلا إجابة: لماذا الإصرار على وضع اسم يثير كل هذا الجدل في مناسبة كان يفترض أن تكون مناسبة جامعة للصحفيين؟ ولماذا تم تجاهل حقيقة أن هناك قطاعا واسعا من أعضاء الجمعية العمومية لا يرى في هذا الاسم نموذجا يستحق الاحتفاء؟

إن النقابات المهنية ليست ساحات لاستفزاز أعضائها، وليست منصات لإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي،  ودور القائمين عليها أن يجمعوا لا أن يفرقوا، وأن يخففوا أسباب الاحتقان لا أن يصنعوا أزمات جديدة.

المفارقة أن الأزمة نفسها كشفت عن حالة من الإفلاس النقابي لدى بعض التيارات التي لم تعد تملك ما تقدمه للصحفيين سوى المعارك الكلامية والصراخ المتبادل، فبدلا من الحديث عن الأجور والحريات وأوضاع المؤسسات الصحفية ومستقبل المهنة، تحولت الساحة إلى معركة عبثية حول ما إذا كان الاعتراض على التكريم يمثل تزييفا للتاريخ أم لا.

والإجابة واضحة وبسيطة، فلا أحد يطالب بتزييف التاريخ، والتاريخ يكتب كما حدث، لكن التكريم قرار نقابي وأخلاقي وسياسي يخضع للنقاش والاختلاف، فليس كل من ورد اسمه في صفحات التاريخ يصبح بالضرورة مستحقا للتكريم، وليس كل من شغل منصبا عاما يتحول تلقائيا إلى رمز محل إجماع، وليس كل من جلس على مقعد في مجلس نقابة يصبح اسمه فوق النقد أو المراجعة.

إن الخلط بين التوثيق والاحتفاء هو أصل الأزمة، أما تحويل المعترضين إلى أعداء للتاريخ فليس سوى محاولة للهروب من جوهر المشكلة.

لقد كان بالإمكان تجنب كل هذا الجدل بسهولة لو أُديرت المناسبة بعقلية نقابية حقيقية، لا بعقلية المنتصر الذي يريد تسجيل نقاط سياسية على خصومه، لكن يبدو أن البعض ما زال يفضل صناعة المعارك الوهمية على مواجهة الأزمات الحقيقية التي تعانيها المهنة.

وفي النهاية سيبقى الفارق واضحا بين من يدافع عن التاريخ، ومن يستخدم التاريخ ستارا للدفاع عن قراراته، وسيظل الاعتراض على التكريم حقا مشروعا، تماما كما أن توثيق الوقائع واجب لا يجوز المساس به، أما أصحاب الخطاب القائم على الصخب والتخوين والإرهاب الفكري، الذي أضحى يزكم الأنوف من المصنفين القدامى، والذين اعتادوا الاستعاضة عن الحجة بالضجيج وعن العمل النقابي الحقيقي بحملات الحشد والشماشرجية والمعارك الإلكترونية، فلن يحصدوا سوى مزيد من الانكشاف والتعري أمام الجمعية العمومية، فالجمعية العمومية باتت أكثر قدرة على التمييز بين من يعمل للمهنة ومن يعمل لحساب المعارك الأيديولوجية، وبين من يملك مشروعا نقابيا حقيقيا، ومن يحاول إخفاء إفلاسه النقابي خلف الشعارات المرتفعة والضوضاء المؤقتة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق