حذر علماء مناخ وخبراء زراعة وصناع سياسات، وفق ما أشار إليه موقع “ذا كونفرسيشن”، من أن الاحتباس الحراري وظاهرة النينيو العظمى قد يسهمان في تفاقم أزمة الغذاء عالميًا خلال الفترة المقبلة، مع احتمال دفع بعض المجتمعات الهشة نحو المجاعة، نتيجة تزايد موجات الحر الشديدة والجفاف والاضطرابات المناخية المرتبطة بهما.
وأوضح التقرير الذي أعده الباحث الأكاديمي بنيامين سيلوين، أستاذ العلاقات الدولية والتنمية الدولية بجامعة ساسكسأن ظاهرة النينيو العظمى كانت أحد أبرز العوامل المناخية المثيرة للقلق، حيث أدت إلى ارتفاع غير طبيعي في درجات حرارة سطح المحيط الهادئ بأكثر من درجتين مئويتين فوق المعدلات التاريخية، وهو ما تسبب في اضطرابات واسعة في أنماط الطقس حول العالم، وزيادة مخاطر الفيضانات والجفاف وموجات الحر.
النينيو والاحتباس الحراري يفاقمان أزمة نظام غذائي هش
وأشار التقرير إلى أن النينيو لم تكن العامل الوحيد، بل جاءت ضمن منظومة أوسع من الضغوط التي واجهها النظام الغذائي العالمي، والذي كان يعاني أصلًا من هشاشة هيكلية متزايدة.
وأوضح أن الجوع لم يعد نتيجة نقص إنتاج الغذاء فقط، بل ارتبط بأزمات سياسية واقتصادية، حيث أدت الحروب في منطقة الشرق الأوسط إلى تعطيل التجارة وسلاسل الإمداد، بينما حد التفاوت الاقتصادي من قدرة الدول الفقيرة على الوصول إلى الغذاء.
كما لفت إلى أن نظام إنتاج الغذاء العالمي اعتمد بشكل متزايد على الربح السريع، مع إعطاء الأولوية لتغذية الماشية بدلًا من البشر، وهو ما جعل ملايين الأشخاص عرضة لانعدام الأمن الغذائي حتى في الظروف الطبيعية.
الحروب في الشرق الأوسط تكشف هشاشة سلاسل الإمداد الغذائية
وكشف التقرير أن الحروب الجارية في الشرق الأوسط أظهرت نقاط ضعف بنيوية في منظومة الغذاء العالمية، التي أعيد تشكيلها خلال العقود الأخيرة على أساس سلاسل إمداد طويلة تعتمد على الوقود الأحفوري والأسمدة الكيميائية والزراعات الأحادية.
وأوضحت دراسة صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن ارتفاع درجات الحرارة كان قد جعل العمل الزراعي غير آمن في أجزاء واسعة من جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية، كما تراجعت إنتاجية المحاصيل بشكل حاد عند تجاوز درجة الحرارة 30 درجة مئوية، فيما تأثرت الثروة الحيوانية بالإجهاد الحراري وانخفاض الإنتاجية.
وفي هذا السياق، أظهرت أبحاث سيلوين، أن الدول المثقلة بالديون في الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء والبحر الكاريبي واجهت ضغوطًا مزدوجة، تمثلت في ارتفاع فواتير استيراد الغذاء إلى جانب أعباء سداد الديون، ما قلص قدرة الحكومات على حماية الفئات الفقيرة عند ارتفاع الأسعار.
أزمة هيكلية في إنتاج الغذاء العالمي
وأوضح سيلوين أن إنتاج الثروة الحيوانية ظل من أكثر الأنشطة الزراعية استهلاكًا للأسمدة والوقود الأحفوري، إذ ساهم بنحو 14.5% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن النشاط البشري.
كما أشار إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية استخدمت لزراعة محاصيل علفية مثل الذرة وفول الصويا لتغذية الماشية بدلًا من البشر، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على الأسمدة الكيميائية والطاقة، ورفع الضغط على البيئة.
وتوقع التقرير أن يتضاعف إنتاج اللحوم عالميًا بحلول عام 2050، الأمر الذي يعني توسعًا أكبر في استخدام الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية، في اتجاه معاكس لمتطلبات الاستدامة المناخية.
الدعم الزراعي وإعادة التفكير في نموذج الغذاء العالمي
وأشار التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من الدعم الزراعي العالمي، الذي يقدر بنحو 540 مليار دولار سنويًا، ذهب إلى قطاعي اللحوم والألبان، بما في ذلك دعم الأسمدة والمبيدات، بدلًا من دعم إنتاج غذاء أكثر استدامة.
ورأى أن التحول من أنظمة تربية الماشية كثيفة الأعلاف إلى الزراعة الإيكولوجية النباتية كان من شأنه أن يخفف الضغط على الأراضي، ويقلل الطلب على الأسمدة والوقود الأحفوري، عبر الاعتماد على تنوع المحاصيل وصحة التربة وإدارة الموارد الطبيعية بشكل مستدام.
وأشار سيلوين إلى أن استمرار النموذج الغذائي الحالي يؤدي إلى تفاقم الأزمات المناخية والغذائية، ما يجعل إعادة هيكلة النظام الزراعي العالمي ضرورة ملحة لمواجهة مخاطر الجوع المتزايد.
















0 تعليق