لبنان ولحظة الخروج من ظل إيران

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان ولحظة الخروج من ظل إيران, اليوم الأحد 14 يونيو 2026 11:17 مساءً


لا يقف لبنان اليوم أمام أزمة حدودية عابرة، ولا أمام فصل جديد فقط من فصول التوتر مع إسرائيل، بل أمام سؤال أعمق يتعلق بمعنى الدولة نفسها.

فالمشكلة اللبنانية لم تعد محصورة في الانقسام الطائفي، أو العجز الاقتصادي، أو فساد الطبقة السياسية، رغم أن هذه كلها عناصر حقيقية في المشهد. المشكلة الأعمق هي أن لبنان يعيش منذ سنوات طويلة في ظل قرار لا تملكه مؤسساته، وسلاح لا يخضع لدولته، وحسابات إقليمية أكبر من قدرته على الاحتمال.

لقد اعتاد اللبنانيون أن تقدم أزماتهم بوصفها تعبيرا عن هشاشة داخلية مزمنة. وهذا صحيح جزئيا. لكن الاختزال هنا مضلل. فالطائفية لا تفسر وحدها لماذا يتحول بلد صغير إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. والفساد لا يفسر وحده لماذا يصبح قرار الحرب والسلم خارج مجلس الوزراء والبرلمان والجيش.

هناك عامل حاسم ظل يضغط على لبنان من الداخل والخارج: النفوذ الإيراني عبر حزب الله، وتحويل البلد من دولة عربية ذات تعددية طبيعية إلى منصة متقدمة في مشروع إقليمي لا ينتمي إلى أولويات اللبنانيين.

حزب الله بنى شرعيته الأولى على فكرة المقاومة. لكن هذه الشرعية تغيرت مع الزمن. فالسلاح الذي كان يقدم بوصفه وسيلة دفاع عن الأرض أصبح أداة للهيمنة على القرار الوطني. ومع كل أزمة، كان الحزب يربط لبنان أكثر بمحور إيران، ويبعده أكثر عن عمقه العربي، ويضع المجتمع اللبناني كله أمام كلفة خيارات لم يشارك في اتخاذها. وهنا تكمن المأساة: لم يعد اللبنانيون يدفعون ثمن أخطاء دولتهم فقط، بل ثمن دور فرض عليهم في صراع إقليمي مفتوح.

اليوم، تبدو شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة أقل قدرة على فرض الإيقاع كما كانت في السابق. هذا لا يعني أنها انتهت، ولا أن حزب الله لم يعد خطرا. لكنه يعني أن النموذج الذي اعتمدت عليه طهران لعقود، أي بناء وكلاء مسلحين يمنحونها نفوذا دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة، دخل مرحلة استنزاف واضحة. دراسات حديثة وصفت هذا النموذج بأنه يتعرض لتآكل بنيوي، كما تشير تحليلات أخرى إلى أن حزب الله بات أضعف مما كان، وإن لم يكن مهزوما أو خارج المعادلة.

هذه اللحظة مهمة لأنها تفتح نافذة سياسية نادرة أمام لبنان. فعندما تكون الميليشيا في ذروة قوتها، تميل الدولة إلى التعايش مع العجز. أما عندما يتراجع ميزان الخوف، يصبح الصمت خيارا سياسيا لا قدرا مفروضا. لبنان لا يحتاج إلى حرب أهلية جديدة، ولا إلى مغامرة داخلية مدمرة، بل إلى موقف وطني واسع يعيد تعريف الحد الأدنى من فكرة الدولة: لا سلاح خارج الشرعية، لا قرار حرب خارج المؤسسات، ولا ولاء خارجي يتقدم على مصلحة لبنان.

لكن استعادة الدولة لا تتحقق بالشعارات. فهي تحتاج إلى انتقال هادئ وصلب في الوقت نفسه: بناء جيش قادر على الإمساك بالأرض، إصلاح مؤسسات الأمن والقضاء، ضبط الحدود، إعادة الثقة بالقطاع المصرفي، ومصالحة سياسية مع منطق الدولة لا مع منطق الساحات. إن لبنان لا يستطيع أن يطلب من العالم إنقاذه بينما يترك قراره الاستراتيجي في يد طرف مسلح. ولا يستطيع أن يطالب بالاستثمار بينما تبقى احتمالات الحرب أعلى من احتمالات الاستقرار.

من هنا يصبح الخيار الخليجي أكثر من مجرد اتجاه دبلوماسي. إنه خيار إنقاذ. فلبنان، تاريخيا واقتصاديا واجتماعيا، أقرب إلى محيطه العربي الطبيعي منه إلى مشروع إيران الأيديولوجي. الخليج لم يكن يوما مشروع وصاية على لبنان، بل كان مساحة عمل لمئات الآلاف من اللبنانيين، ومصدرا للتحويلات والاستثمار والسياحة، وسندا اقتصاديا في لحظات كثيرة. أما إيران فلم تمنح لبنان دولة أقوى، ولا اقتصادا أفضل، ولا مستقبلا أكثر أمنا؛ كل ما قدمته هو تحويله إلى ورقة في صراع طويل.

ولهذا فإن عودة لبنان إلى الخليج لا تعني استبدال تبعية بتبعية. بل تعني العودة إلى علاقة طبيعية بين دول: احترام السيادة، وضبط السلاح، وإصلاح الاقتصاد، وفتح الباب أمام الدعم والاستثمار. وقد بات واضحا أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تربط دعمها للبنان بمدى جدية الدولة في استعادة مؤسساتها وحصر السلاح بيدها وتنفيذ الإصلاحات. وهذا ليس شرطا تعجيزيا، بل الحد الأدنى لأي دولة تريد مساعدة دولة أخرى دون أن تذهب هذه المساعدة إلى فراغ سياسي أو أمني.

الأهم أن هذا التحول لا يمكن أن يفرض من الخارج. لا الرياض ولا أبوظبي ولا الدوحة ولا الكويت تستطيع إنقاذ لبنان إذا لم يقرر اللبنانيون إنقاذ بلدهم أولا. الخارج يستطيع أن يساعد، لكنه لا يستطيع أن يبني إرادة وطنية بديلة. جوهر المعركة اليوم ليس بين لبنان والخليج أو لبنان وإيران، بل بين لبنان الدولة ولبنان الساحة. بين بلد يريد أن يعيش من اقتصاده وثقافته ومؤسساته، وبلد يستدعى كل مرة ليؤدي دورا في حروب الآخرين.

وهنا تقع المسؤولية على اللبنانيين جميعا، من دون استثناء. فالشيعة اللبنانيون ليسوا مضطرين إلى رهن مستقبلهم لحزب حول بيئتهم إلى خط تماس دائم. والمسيحيون والسنة والدروز ليسوا مطالبين بإدارة الانهيار كما لو كان قدرا أبديا. وكل اللبنانيين، مهما اختلفت هوياتهم السياسية والطائفية، يشتركون في مصلحة واحدة: أن تعود الدولة وحدها صاحبة القرار.

لبنان لا يحتاج إلى خطابات غضب، بل إلى شجاعة سياسية منظمة. يحتاج إلى رفض واضح للنفوذ الإيراني، لا بوصفه موقفا مذهبيا أو اصطفافا خارجيا، بل بوصفه شرطا لاستعادة البلد. ويحتاج في المقابل إلى إدارة وجهه نحو الخليج، حيث يمكن للاقتصاد اللبناني أن يتنفس، وللدولة أن تستعيد علاقتها بمحيطها العربي، وللمجتمع أن يخرج من ثقافة الحرب إلى ثقافة الحياة.

الخلاصة أن حزب الله ووكلاء إيران يمرون بإحدى أضعف مراحلهم منذ سنوات، وهذه ليست دعوة إلى الانتقام، بل فرصة لإنقاذ الدولة. على اللبنانيين أن يقفوا الآن، بهدوء ولكن بحسم، وأن يقولوا إن لبنان ليس قاعدة متقدمة لإيران، ولا ورقة تفاوض في يد أحد. إن رفض النفوذ الإيراني لم يعد ترفا سياسيا، بل شرطا لبقاء لبنان. والعودة إلى الخليج ليست خيارا جانبيا، بل الطريق الواقعي لإخراج لبنان من العزلة والانهيار واستعادته كدولة عربية طبيعية، حرة، وقادرة على الحياة.

mr_alshammeri@

أخبار ذات صلة

0 تعليق