من المقرر شرعًا أن الاستهزاءَ بشعيرة الصلاة ومحاكاتها على غير وجهها المشروع الذي جاء به الوحي الشريف -يُعَدُّ أمرًا منكرًا في الشريعة الإسلامية، بل في كل الشرائع السماوية، وفيما تدعو إليه الفِطَر السوية، ومُجَرَّمًا كذلك قانونًا وفي الأعراف الدولية؛ لما ينطوي عليه من ازدراءٍ لشعيرةٍ من أعظم شعائر دِين الإسلام، وفتحٍ لباب الازدراء والاستخفاف بالعقائد والأديان، ودعوةٍ إلى إيقاظ فتنةٍ عظيمةٍ بين الناس، على نحوٍ يجعل صاحب هذا الفعل مستوجبًا المؤاخذةَ والعقاب في الدنيا، والعذابَ في الآخرة.
مكانة الصلاة والتحذير من الاستهزاء بها
ويزداد هذا الفعل قبحًا إلى قبحه، وفُحشًا إلى فُحشه، وجُرمًا إلى جُرمه، باقترانه باختيار الفاعلين أماكنَ -يُقصد منها إظهارُ الاستقذار- لارتكابه، وملازمتِه محظوراتٍ ظاهرةً، كالتدخين، والحركاتِ التمثيلية الساخرة، وارتداء الملابس غير اللائقة، الأمرُ الذي يقتضي من الجهات المعنيَّة في كل بلدٍ جرى فيها مثل هذه الأفعال المشينة اتخاذَ ما يلزم من الإجراءات الكفيلة بالحدِّ منها، صيانةً للسِّلم والأمن المجتمعيَّين والعالميَّين، مع ما يندرج ضمن ذلك من الدور التوعويِّ للمؤسسات الدينية الرسمية، باعتبار أن صونَ المقدَّسات واحترامَها ركيزةٌ أصيلةٌ في حفظ التعايش السِّلمي بين الشعوب والمجتمعات.
بيان مكانة الصلاة وتعظيمها في الإسلام
الصلاةُ شعيرةٌ عظيمةٌ من أعظم شعائرِ الدِّين الإسلامي الحنيف، وركيزةٌ أساسيةٌ من ركائزه، فهي الركنُ الثاني من أركان الإسلام الخمسة بعد الشهادتين، وعمودُ الدِّين الذي لا يقومُ بنيانه إلا به، كما قال سيدُنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «رَأسُ الأَمرِ: الإِسلَامُ، وَعَمُودُهُ: الصَّلَاةُ» أخرجه الإمامان: أحمد، والترمذي، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. وإذا سقط العمود سقط ما بُني عليه، وفي ذلك دلالةٌ ظاهرةٌ على عظيم فضل هذا الركن، ورفيع مكانته في الشريعة الإسلامية السمحة الغرَّاء.
قال العلامة ولي الله الدِّهلَوِي في "حجة الله البالغة" (1/ 315، ط. دار الجيل): [اعلَم أن الصلاة أعظم العبادات شأنًا، وأوضحها برهانًا، وأشهرها في الناس، وأنفعها في النفس، ولذلك اعتنى الشارع ببيان فضلها، وتعيين أوقاتها وشروطها وأركانها وآدابها ورُخَصها ونوافلها اعتناءً عظيمًا لم يفعل في سائر أنواع الطاعات، وجعلها من أعظم شعائر الدِّين] اهـ.
ومن المعلوم أن تعظيمَ حرمات وشعائرِ الدين الإسلامي الحنيف -ومنها شعيرة الصلاة- من أعظم أركان الشرع، ومن أجلِّ الواجبات وأهمِّ المهمات، قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]، والمرادُ بحُرمات الله: كلُّ ما له حرمةٌ شرعًا، وأُمِرَ باحترامه وصيانته، من عباداتٍ أو غيرها، ويدخل في ذلك المناسكُ كلُّها، وسائرُ ما عظَّمه الشرعُ وأوجب توقيره، كالصلاة ونحوها.
قال الإمام الآلوسي في "روح المعاني" (9/ 141، ط. دار الكتب العلمية): [﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: جمع حُرمة، وهو ما يُحترم شرعًا] اهـ.
وقال جل شأنه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (12/ 56، ط. دار الكتب المصرية): [قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) الشعائر: جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمرٌ أشعَرَ به وأعلَمَ. ومنه: شعار القوم في الحرب، أي: علامتهم التي يتعارفون بها. ومنه: إشعار البدنة، وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدمُ فيكون علامةً، فهي تُسمى شعيرة بمعنى المشعورة. فشعائر الله: أعلام دِينه، لا سيما ما يتعلق بالمناسك] اهـ، ومن ثَمَّ تدخلُ جميعُ شعائرِ الإسلام، من الصلاة والزكاة ونحوِهما، في عموم هذا المعنى.
التحذير من الاستهزاء بشعيرة الصلاة
لِعِظَمِ شأن شعيرة الصلاة ومكانتها في الإسلام، كان الاستهزاءُ بها أو بهيئتها وأفعالها، أو التعرُّضُ لها بالسخرية والامتهان بأي صورةٍ من الصور -يُعَدُّ مندرجًا ابتداءً في باب الاستهزاء بالدين وشعائره، وهو مسلكٌ من مسالك المشركين والمنافقين، الذين ذمَّهم الله تعالى وتوعَّدهم بأشدِّ الوعيد، قال الله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف الآية 56]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 64- 66]، ولا ريب أن الصلاةَ من أعظم آيات الله العملية، وأجلِّ شعائر الدين الظاهرة، فيدخل الاستهزاءُ بها دخولًا أوليًّا في عموم هذه النصوص، وهو دلالةٌ بيِّنة على خطورة هذا المسلك، وعِظَمِ جُرمه، وجسامة ذنبه، بما لا يسوغ معه التهاونُ به أو التساهلُ في شأنه؛ إذ إن الاستهزاء بها على هذا النحو يدل على ازدرائها، وهو ما يتنافى مع تعظيم الله تعالى وشعائره، الذي هو لب الإيمان وروحه.
ولقد قرَّر الإمام الرازي هذا المعنى في "مفاتيح الغيب" (16/ 95، ط. دار إحياء التراث العربي)، فقال: [الاستهزاء يدل على الاستخفاف، والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان، والجمع بينهما محال] اهـ.
وقال سبحانه وتعالى في وصف حال المستهزئين بشعيرة الصلاة على جهة الخصوص: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 58].
وقد أوضح الإمام ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (3/ 127، ط. دار الكتب العلمية) كيفية اتخاذها هزوًا ولعبًا، فقال: [يتخذونها هُزوًا: يستهزئون بها، ولعبًا: يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد] اهـ.
كما أفاد العلامة أبو زهرة في "زهرة التفاسير" (5/ 2262، دار الفكر العربي) أن اتِّصافهم بانتفاء العقل إنما يرجع إلى تَهَكُّمِهِمُ الصريحِ بالصلاة، والتعامل معها على وجه العبث والاستخفاف، فقال: [قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الإشارة هنا إلى ما كان منهم من استهزاء وسخرية، واتخاذ الأعمال الإسلامية لعبة يتلاعبون بها] اهـ.

















0 تعليق