عاد منتخب مصر إلى نهائيات كأس العالم 2026 بعد مشوار تصفيات استثنائي أكد من خلاله استعادة مكانته بين كبار القارة الأفريقية، ليعوض غيابه المؤلم عن مونديال قطر 2022 ويضرب موعداً جديداً مع الحلم العالمي.
وقدم "الفراعنة" أداءً لافتاً خلال التصفيات، إذ حسموا بطاقة التأهل إلى نهائيات أميركا الشمالية قبل جولة كاملة من النهاية، بعدما أنهوا مشوارهم من دون أي هزيمة وسجل المنتخب 19 هدفاً خلال تسع مباريات، مقابل هدفين فقط في مرماه، فيما حافظ على نظافة شباكه في سبع مواجهات، في أرقام تعكس صلابة الفريق وانضباطه التكتيكي.
وكعادته، كان محمد صلاح عنواناً رئيسياً للنجاح المصري، بعدما سجل تسعة أهداف وقاد منتخب بلاده للعودة إلى أكبر محفل كروي على مستوى العالم، مؤكداً مرة أخرى مكانته كأحد أهم اللاعبين في تاريخ الكرة المصرية.
ورغم الأرقام الهجومية المميزة، فإن شخصية المنتخب المصري لا تقوم على اللعب المفتوح أو الاستحواذ الهجومي المستمر، بل تعتمد بشكل أساسي على الواقعية والانضباط الدفاعي وإدارة تفاصيل المباريات الصعبة وقد ظهر هذا النهج بوضوح خلال كأس الأمم الأفريقية 2025، حيث اعتمد الفريق على التنظيم الدفاعي المحكم وانتظار اللحظة المناسبة للانطلاق عبر سرعة وخبرة محمد صلاح أو تحركات عمر مرموش.
ومنح هذا الأسلوب المنتخب قدراً كبيراً من الاستقرار، لكنه كشف في الوقت نفسه بعض أوجه القصور أمام المنتخبات القادرة على فرض إيقاعها وسيطرتها على مجريات اللعب وتجسد ذلك بوضوح في مواجهة السنغال بنصف نهائي كأس الأمم الأفريقية، حين بدا المنتخب المصري أقرب إلى الدفاع عن مرماه من السعي لفرض شخصيته على المباراة.
ومن المتوقع أن يخوض المنتخب المصري معظم مبارياته في كأس العالم بطريقة 4-3-3، مع إمكانية التحول إلى 4-2-3-1 عند الحاجة إلى زيادة الفاعلية الهجومية، بينما قد يلجأ الجهاز الفني أحياناً إلى الرسم التكتيكي 3-5-2 أمام المنافسين الذين يعتمدون على التكتلات الدفاعية المكثفة.
في حراسة المرمى، يبقى محمد الشناوي المرشح الأبرز لحماية العرين المصري، رغم المنافسة المتصاعدة من مصطفى شوبير وأمامهما يقود رامي ربيعة الخط الخلفي إلى جانب أحد الثنائي حسام عبد المجيد أو ياسر إبراهيم، فيما يشكل مروان عطية وحمدي فتحي خط الدفاع الأول أمام المدافعين، بينما يتولى إمام عاشور مهمة الربط بين الوسط والهجوم وصناعة الفرص للثلاثي الأمامي.
وأوقعت قرعة كأس العالم المنتخب المصري في المجموعة السابعة إلى جانب بلجيكا وإيران ونيوزيلندا، وهي مجموعة تبدو متوازنة نسبياً وتمنح الفراعنة فرصة حقيقية للمنافسة على إحدى بطاقتي التأهل إلى الدور التالي، لكنها تضعهم أيضاً أمام تحدٍ تاريخي يتمثل في تحقيق أول انتصار مصري في تاريخ مشاركات المنتخب بكأس العالم.
ويقود المنتخب المدير الفني حسام حسن، أحد أبرز أساطير الكرة المصرية وأكثرها تأثيراً فالهداف التاريخي للمنتخب الوطني يتمتع بمكانة استثنائية لدى الجماهير المصرية، إلا أن مسيرته التدريبية لم تحقق النجاح ذاته الذي عرفه لاعباً.
وعلى الرغم من تنقله بين عدد كبير من الأندية والمنتخبات خلال مسيرته التدريبية، فإن خزائنه لا تزال خالية من الألقاب الكبرى ومع ذلك، حمل تعيينه مديراً فنياً للمنتخب عام 2024 أبعاداً رمزية ووطنية كبيرة، باعتباره أحد أبرز رموز الكرة المصرية عبر تاريخها.
ويبقى محمد صلاح الشخصية الأبرز داخل المنتخب المصري بلا منازع فالنجم الذي اقترب من المراحل الأخيرة في مسيرته الدولية لا يزال حجر الأساس الذي تُبنى عليه طموحات المنتخب داخل الملعب وخارجه.
وخلال التصفيات، لعب قائد المنتخب الدور الحاسم مجدداً، وسجل هدفين في المباراة التي ضمنت التأهل رسمياً إلى كأس العالم، مؤكداً أنه لا يزال اللاعب الأكثر تأثيراً في تشكيلة الفراعنة وسيبلغ صلاح عامه الرابع والثلاثين في اليوم نفسه الذي تخوض فيه مصر مباراتها الأولى في دور المجموعات، ما يمنح مشاركته المقبلة بعداً رمزياً خاصاً.
ويعي نجم ليفربول السابق جيداً أن مونديال 2026 قد يمثل فرصته الأخيرة لترك بصمة استثنائية في البطولة الأكبر عالمياً. فرغم الإنجازات الفردية الهائلة التي حققها خلال مسيرته، يبقى النجاح مع المنتخب الوطني الهدف الذي يسعى إلى تخليد اسمه من خلاله.
وبعيداً عن الأضواء المسلطة على صلاح، يبرز إبراهيم عادل كأحد أكثر اللاعبين قدرة على خطف الأنظار خلال البطولة. فالجناح المصري يمتلك مزيجاً من السرعة والمهارة والذكاء التكتيكي، كما يتميز بقدرته على التحرك بين الخطوط وصناعة الحلول الهجومية وفرض الضغط على المنافسين.
ويرى كثير من المتابعين أن أهميته تكمن في توفير مصدر تهديد إضافي للمنتخب بعيداً عن الاعتماد الكامل على صلاح، وهو ما قد يمنح الفريق تنوعاً أكبر في بناء الهجمات وصناعة الفرص.
أما اللاعب الذي يؤدي دوراً محورياً بعيداً عن الأضواء، فهو مروان عطية، الذي أصبح أحد أهم عناصر التوازن داخل تشكيلة المنتخب ويؤدي لاعب الوسط صاحب الـ27 عاماً أدواراً متعددة تشمل افتكاك الكرة وتأمين المساحات وتغطية الأطراف والمساهمة في بناء اللعب، بما يمنح زملاءه أصحاب النزعة الهجومية حرية أكبر للتحرك وصناعة الفارق.
وعلى صعيد الجماهير، ينتظر أن يحظى المنتخب المصري بمساندة جيدة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وإن كانت أقل مقارنة بما شهدته البطولات التي أقيمت في المنطقة العربية فالمسافات الطويلة وارتفاع تكاليف السفر والإقامة قد يجعلان الحضور مقتصراً بدرجة كبيرة على الجاليات المصرية المقيمة في الخارج، إلى جانب عدد من المشجعين القادرين على تحمل نفقات الرحلة.
أما ملايين المصريين، فمن المرجح أن يعيشوا أجواء البطولة كعادتهم عبر الشاشات والمقاهي، في مشهد يتكرر مع كل حدث كروي كبير يجمع الجماهير حول حلم واحد.
وفي النهاية، يقف المنتخب المصري أمام فرصة جديدة لكتابة فصل مختلف في تاريخه المونديالي فالفريق يمتلك عناصر الخبرة والاستقرار وعدداً من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، لكنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على تألق قائده محمد صلاح.
وبين الحلم والطموح والتحدي، يبقى السؤال الأبرز الذي يشغل الجماهير المصرية: هل ينجح الفراعنة أخيراً في تحقيق أول انتصار لهم في تاريخ كأس العالم، أم يستمر الانتظار حتى نسخة أخرى؟















0 تعليق