فتوى فقهية وفرحة ناقصة.. تفاصيل أسعار الأضاحي وأعداد المواشي في غزة | سياسة
غزة- كانت حظيرة عائلة عبد الله الزعيم في مخيم الشاطئ بمدينة غزة، تتحول إلى مساحة للفرح في كل عيد. فهناك، كانت تجتمع العائلة منذ ساعات الصباح الأولى، ينشغل الرجال بذبح الأضاحي وتقسيمها، بينما يتولى آخرون توزيع اللحوم على الأقارب والفقراء، وسط أجواء اعتادوا أن يروا فيها العيد مكتملا بشعيرته الأبرز.
لم تكن عائلة الزعيم تكتفي بأضحية واحدة، بل كانت تقدم، كل عام تقريبا، 7 خراف؛ عن الجد والأب، وعن أقارب يقيمون خارج فلسطين، اعتادوا إرسال الأموال إلى غزة كي تُذبح أضحياتهم هناك وتُوزع على المحتاجين.
في عيد الأضحى الذي سبق الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، ابتاعت العائلة 7 خراف، على خلاف كثير من سكان قطاع غزة الذين يميلون إلى الأضاحي من الأبقار.
أعداد الأغنام تراجعت من 60 ألف رأس قبل الحرب إلى 3 آلاف بعدها (الجزيرة)
أسعار خيالية
ويقول عبد الله الزعيم إن سعر الخروف الواحد حينها كان يباع بـ300 دينار أردني (نحو 423 دولارا)، فيما كان الكيلو الواحد من الخروف الحي يُباع بنحو 8 دولارات، وهي أسعار كانت تُعد مرتفعة نسبيا، لكنها بقيت ممكنة لعائلة حرصت لسنوات طويلة على ألا يمر العيد دون أضحية.
لكن الحرب بدلت كل شيء، فمنذ اندلاعها، توقفت العائلة، كغيرها من آلاف العائلات الغزية، عن تقديم الأضاحي، بعد اختفاء المواشي لفترات طويلة وارتفاع أسعارها بصورة هائلة.
ويقول الزعيم إن سعر الخروف الواحد قد يصل اليوم إلى 5 أو 6 آلاف دولار، وهو مبلغ “غير منطقي حتى لمن يملك المال”. ويشرح أن الخروف الحي، بوزن يصل إلى 50 كيلوغراما، لا يعطي في النهاية سوى نحو 17 كيلوغراما من اللحم الصافي، ما جعل تكلفة الأضحية “مرعبة” مقارنة بكمية اللحم الناتجة عنها.
ورغم ظروف الحرب والغلاء، تلقت العائلة اتصالات من أقاربها المقيمين خارج فلسطين، طالبين شراء أضاحٍ وذبحها داخل غزة كما جرت العادة كل عام، لكن الأسرة اعتذرت هذه المرة، وطلبت منهم عدم تقديمها وتوجيه المال إلى مناحٍ خيرية أخرى.
ويبدو وقعُ هذا الغياب أثقل على جد العائلة الحاج صقر، الذي لم يعتد أن يمر العيد دون أضحية. ويستذكر الزعيم عيد الأضحى الأول خلال الحرب، حين جلس الجد حزينا يردد: “هذه أول مرة في حياتي لا أقدم فيها أضحية”. ويقول إن هناك “غصة وألما” يعيشه أفراد الأسرة، بسبب انقطاعهم عن عبادة ظلوا حريصين عليها لعقود طويلة.
عبد الله الزعيم يشعر وعائلته بغصة وألم لعدم تمكنهم من تقديم الأضحية هذا العام (الجزيرة)
انهيار أعمدة التجارة
وبالنسبة للمواطن جمال النادي، لم يكن عيد الأضحى مجرد موسم ديني أو اجتماعي، بل الفترة الأكثر ازدحاما في العام، والتي تتحول فيها مزرعته الكبيرة إلى خلية عمل لا تهدأ.
فمنذ سنوات طويلة، ورث النادي تجارة المواشي أبا عن جد، واعتاد قبل الحرب أن يستعد للعيد مبكرا؛ يستورد العجول، ويتلقى طلبات المواطنين، ويُشرف على تجهيز مئات رؤوس الأبقار والأغنام لتلبية الطلب المتزايد على الأضاحي.
يقول النادي إن مزرعته كانت تضم عشرات العجول والأبقار والأغنام، وإن عيد الأضحى كان يشكل ذروة العمل السنوي بالنسبة له، موضحا أنه كان يستوعب خلال الموسم ما بين 200 إلى 250 عجلا، في ظل إقبال واسع من سكان قطاع غزة.
ويضيف “كنا نعيش حالة طوارئ حقيقية خلال موسم العيد، آلاف الزبائن يتواصلون معنا لحجز الأضاحي، والعمل لا يتوقف ليلا أو نهارا من أجل رعاية المواشي وتجهيزها”. لكن الحرب أنهت كل شيء، فمع بداية الحرب، فقد النادي مزرعته بالكامل، بعدما توغّلت القوات الإسرائيلية في منطقة حي الزيتون بمدينة غزة، حيث كانت تقع الحظيرة.
ويقول إنه كان يمتلك حينها نحو 70 عجلا، قبل أن يفقد أثرها جميعا، دون أن يعرف ما إذا كانت قد نفقت أو صودرت أو دُمرت خلال العمليات العسكرية. ويقدر خسائره بنحو 300 ألف دينار أردني (نحو 423 ألف دولار).
ومنذ نحو عامين ونصف، توقف عمل النادي بشكل شبه كامل، نتيجة نفوق أعداد كبيرة من المواشي، ونفاد ما تبقى منها، إلى جانب منع الاحتلال إدخال المواشي الحية إلى قطاع غزة بصورة كاملة.
جمال النادي يحتفظ بأغنام تمكن من جمعها مؤخرا أسفل منزل متصدع (الجزيرة)
محاولة للعودة
وخلال الأشهر الماضية، حاول النادي العودة إلى العمل بصورة محدودة جدا، عبر شراء 35 رأسا من الأغنام مما تبقى لدى المواطنين في القطاع ووضعها أسفل منزل مدمر وآيل للسقوط.
يوضح أن أسعارها مرتفعة جدا، نظرا لندرتها، فسعر الجدي (صغير الماعز) أو الخروف الذي كان يُباع قبل الحرب بنحو ألف شيكل (الدولار= 3 شواكل)، بات اليوم يتراوح بين 11 ألفا و15 ألف شيكل، بحسب وزنه، مشيرا إلى خلو القطاع من العجول والأبقار المخصصة للذبح.
ورغم اقتراب عيد الأضحى، لا يتوقع النادي أن يتمكن المواطنون العاديون من شراء هذه الأغنام، في ظل الأسعار غير المسبوقة، ويعرب عن أمله في بيعها لمؤسسات خيرية أو مبادرين.
ولا تتوقف الأزمة عند ندرة المواشي وارتفاع أسعارها، بل تمتد إلى نقص الأعلاف أيضا. ويوضح النادي أن المعابر مغلقة أمام دخول الأعلاف للتجار، وأن الكميات القليلة التي تدخل أحيانا تكون عبر مؤسسات دولية، يضطر التجار لشرائها بأسعار مرتفعة.
المواشي من الأغنام تتوفر بأعداد قليلة في قطاع غزة (الجزيرة)
قبل الحرب وبعدها
ويعكس غياب الأضاحي، وفق وزارة الزراعة في قطاع غزة، الانهيار شبه الكامل لقطاع الثروة الحيوانية والزراعية بفعل الحرب، ومنع إدخال المواشي والأعلاف.
وتظهر إحصائيات صادرة عن الوزارة أن سوق الأضاحي في غزة كان يشهد نشاطا واسعا قبل الحرب، حيث كانت تتراوح أعداد العجول المخصصة للأضاحي سنويا بين 10 و12 ألف رأس، ووصلت إلى 20 ألفا عام 2021، وحوالي 17 ألفا عام 2023.
كما كان القطاع يستورد شهريا نحو 3 آلاف رأس من العجول، أي ما يصل إلى 36 ألف رأس سنويا، لتغطية احتياجات السوق المحلية سواء للأضاحي أو لدورات التسمين. أما الأغنام، فقد تراوح الطلب السنوي عليها خلال مواسم الأضاحي بين 30 و40 ألف رأس، قبل أن تتراجع الأعداد بصورة حادة مع اندلاع الحرب، بحسب معطيات وزارة الزراعة.
غزة كانت تستورد بين 30 و40 ألف رأس من الغنم لكن الاستيراد توقف منذ بدء حرب الإبادة (الجزيرة)
خسائر بالمليارات
وفق الناطق باسم وزارة الزراعة الفلسطينية، رأفت عسلية، فإن الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي نتيجة حرب الإبادة تجاوزت 4 مليارات دولار، وتشمل الأضرار التي أصابت الزراعة النباتية والثروة الحيوانية والسمكية، إضافة إلى تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
وذكر عسلية -للجزيرة نت- أن الاحتلال يرفض منذ بداية الحرب إدخال المواشي الحية إلى غزة، الأمر الذي أدى إلى “أزمة كبيرة” في اللحوم والأضاحي، وترك أثرا مباشرا على الأمن الغذائي للسكان، مبينا أن قطاع غزة كان يمتلك قبل الحرب عشرات آلاف رؤوس الماشية، إلى جانب آلاف الأبقار الحلوب، إلا أن الجزء الأكبر منها فُقد خلال الحرب نتيجة القصف والتجويع ومنع الاستيراد.
وقال: “كان في قطاع غزة نحو 3 آلاف بقرة للحليب واليوم لا يوجد سوى بقرتين أو ثلاث لدى مواطنين يربونها داخل البيوت، أما الأبقار والعجول المخصصة للذبح فلا يوجد منها شيء إطلاقا”. فيما تراجعت أعداد الأغنام والماعز من نحو 60 ألف رأس قبل الحرب إلى قرابة 3 آلاف رأس فقط.
وأكد أن قطاع غزة يعتمد حاليا بصورة شبه كاملة على اللحوم المبردة المستوردة أو ما يدخل ضمن المساعدات الإنسانية، في ظل انعدام الإنتاج الحيواني المحلي وتوقف تربية الدواجن والمواشي بشكل شبه كامل.
تراجع عدد رؤوس الأغنام في غزة من نحو 60 ألفا إلى قرابة 3 آلاف (الجزيرة)
صدقات بديلة للأضاحي
من جانبه، دعا مجلس الاجتهاد الفقهي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بغزة الميسورين إلى التوسعة على الفقراء واستبدال الأضاحي بالصدقات وتقديم اللحوم المبردة والسلال الغذائية في ظل انعدام الأضاحي بقطاع غزة.
وشدد المجلس، في قرار فقهي صدر بشأن الموقف الشرعي للأضحية في ظل انعدام المواشي في غزة للعام الثالث على التوالي، على أن ذلك “لا يُجزئ عن الأضحية” التي تقوم في أصلها الشرعي على “إهراق الدم” يوم العيد.
وأوضح أن يوم العيد من الأيام العظيمة التي تتضاعف فيها الطاعات والقربات، وأنه في ظل منع إدخال بهيمة الأنعام إلى القطاع وما يعيشه السكان من فقر وجوع نتيجة الحرب والحصار، فإن أصحاب القدرة المالية “مأمورون بالتقرب إلى الله بالصدقات بكل أشكالها”.
وأشار القرار إلى أن ذلك يشمل تقديم اللحوم المجمدة والسلال الغذائية وسائر القربات متعدية النفع.