مال و أعمال

اليمن.. تحرير الدولار الجمركي بين إنقاذ الخزينة ومخاوف الغلاء | اقتصاد

دخلت الأسواق والأوساط التجارية في اليمن مرحلة من الترقب الحذر عقب شروع الحكومة المعترف بها دوليا في تنفيذ قرار تحرير سعر صرف “الدولار الجمركي” وربطه بأسعار السوق الموازية، في خطوة تقول السلطات إنها ضرورية لتخفيف الضغوط على المالية العامة، بينما يحذر اقتصاديون ومستوردون من موجة تضخم جديدة قد تمتد آثارها إلى مختلف الأسواق والقطاعات الخدمية.

وفي ظل واحدة من أعقد الأزمات المالية التي تواجهها الحكومة اليمنية منذ توقف صادرات النفط أواخر عام 2022، أثار القرار جدلا اقتصاديا واسعا بين من يراه إجراء اضطراريا لتعزيز الإيرادات العامة، ومن يخشى أن يؤدي إلى ارتفاع جديد في الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

ويأتي القرار ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية تبنتها الحكومة لمعالجة فجوة الإيرادات، بعد سنوات من استنزاف الموارد وتراجع القدرة على تمويل المرتبات والخدمات الأساسية.

وقالت الحكومة إنها قررت تحرير سعر الدولار الجمركي (السعر المعتمد لاحتساب الرسوم على الواردات) وفق آليات العرض والطلب، بهدف توحيد مصادر تحصيل إيرادات الدولة من الرسوم والضرائب، ومعالجة التشوهات السعرية وتعزيز كفاءة تحصيل الموارد العامة.

رحلة الصعود التاريخية للدولار الجمركي

شهد الدولار الجمركي في اليمن سلسلة ارتفاعات متتالية خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ كان يُحتسب عند 250 ريالا للدولار الواحد، قبل أن يُرفع إلى 500 ريال عام 2021، ثم إلى 750 ريالا مطلع عام 2023، وصولا إلى القفزة الأخيرة المثيرة للجدل برفعه إلى نحو 1550 ريالا في مايو/أيار 2026.

عاملون في ميناء الحديدة على البحر الأحمر ضمن أحد أهم المنافذ البحرية للتجارة والإمدادات في اليمن (رويترز)

وتقول الحكومة إن القرار يستهدف بصورة رئيسية السلع الكمالية وغير الأساسية، فيما ستظل السلع الأساسية، مثل القمح والدقيق والأدوية والأرز والزيوت وحليب الأطفال، معفاة أو خاضعة لسعر جمركي منخفض.

وتبرر السلطات هذه الخطوة بالحاجة إلى توحيد الأوعية الإيرادية ومعالجة التشوهات السعرية ورفع كفاءة تحصيل الموارد العامة، في ظل تراجع الإيرادات النفطية التي كانت تمثل العمود الفقري للموازنة العامة.

الدولار الجمركي وتعويض خسائر النفط

وفي أول توضيحات رقمية موسعة من الرئاسة اليمنية، قال المستشار الاقتصادي في الرئاسة الدكتور فارس النجار، في حديث خاص مع الجزيرة نت إن إيرادات الدولة من الرسوم الجمركية والضريبية والعوائد الأخرى لم تتجاوز 698 مليار ريال خلال عام 2025، بما يعادل نحو 443 مليون دولار بأسعار السوق الحالية.

وأوضح النجار أن هذا الرقم، رغم تحسنه مقارنة بالعام السابق، لا يزال بعيدا عن عائدات النفط التي كانت تتجاوز مليار دولار سنويا وتشكل ما بين 70 و75% من موارد الدولة.

وأضاف أن تعديل الدولار الجمركي “لن يعوض خسائر النفط، لكنه قد يخفف من اختناقات المالية العامة ويساعد الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، خصوصا صرف المرتبات”.

واعتبر أن الإبقاء على الدولار الجمركي بالسعر السابق “لم يكن يخدم المواطن بقدر ما كان يخدم بعض التجار”، موضحا أن بعض المستوردين كانوا يدفعون رسوما منخفضة ثم يبيعون السلع وفق أسعار السوق الفعلية، “فيستفيدون مرتين؛ من خزينة الدولة ومن جيب المواطن”، بحسب تعبيره.

وربط النجار نجاح القرار بثلاثة عوامل رئيسية تشمل ضبط المنافذ غير الرسمية، ورفع كفاءة الموانئ والجمارك، وإحكام الرقابة على الأسعار لمنع أي زيادات مبالغ فيها.

ارتفاع لا يتجاوز 8%

من جهته، قال محمد الجماعي مستشار وزير الصناعة والتجارة إن قرار تحرير الدولار الجمركي يأتي ضمن مصفوفة الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة منذ عام 2025 بهدف تقليص العجز المالي وتعزيز قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.

موظفة صرافة تعد أوراقاً نقدية بالدولار في تعز وسط تقلبات سعر الصرف وتحديات الاقتصاد اليمني (الفرنسية)

وأوضح الجماعي، في حديث مع الجزيرة نت أن القرار لن يطال السلع الأساسية المعفاة من الجمارك، مشيرا إلى أن الارتفاع المتوقع في أسعار بعض السلع “سيتراوح بين 2 و4%، وقد يصل إلى 8% في بعض الحالات”.

وأكد أن الحكومة تعتزم تنفيذ حملات رقابية ميدانية لمنع أي تلاعب أو زيادات غير مبررة في الأسعار، بالتوازي مع إجراءات لتحسين القدرة الشرائية تشمل صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لموظفي الدولة.

لكن التطمينات الحكومية لم تنهِ المخاوف داخل أوساط المستوردين والقطاع الخاص، الذين يرون أن تداعيات القرار قد تمتد إلى كلفة النقل والشحن وسلاسل الإمداد بأكملها.

القطاع الخاص ومخاوف شلل الإمداد

على الرغم من التطمينات الرسمية، تسيطر حالة من التوجس الحذر على الأوساط التجارية وقطاع الاستيراد جراء القفزة الجمركية المفاجئة، إذ يرى ممثلو قطاع الأعمال أن محاولة حصر التأثير في السلع الكمالية تواجه تعقيدات ميدانية كبيرة بسبب تشابك سلاسل الإمداد وكلفة الخدمات اللوجستية والنقل.

ويحذر مستوردون من أزمة سيولة محتملة قد تدفع بعض الشركات إلى تقليص وارداتها أو البحث عن منافذ بديلة لتخفيف الأعباء الجمركية.

سفينة راسية في ميناء الحديدة على البحر الأحمر أحد المنافذ الحيوية لواردات اليمن وحركة التجارة البحرية (رويترز)

ويقول أحد المستوردين في عدن، طلب عدم ذكر هويته، إن تأثير القرار “سيكون كبيرا جدا”، متوقعا ارتفاع أسعار بعض السلع بنسبة تتراوح بين 20 و35%، خصوصا مع ارتفاع تكاليف الشحن البحري التي تضاعفت خلال السنوات الأخيرة.

ويضيف أن بعض الشركات قد تضطر إلى خفض حجم استيرادها، موضحا أن “التاجر قد يقلص هامش ربحه، لكن المستهلك يتحمل الجزء الأكبر من العبء”.

“القرار يعالج العجز لكن لا يوقف التضخم”

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي اليمني وفيق صالح أن الحكومة لجأت إلى تحرير الدولار الجمركي نتيجة العجز المتزايد في المالية العامة بعد توقف صادرات النفط، لكنها لم تستكمل، حسب تعبيره، حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة تضمن الحد من آثار القرار على السوق والمواطنين.

وقال صالح للجزيرة نت إن الحكومة “تركز على رفع الإيرادات دون امتلاك أدوات رقابة حقيقية تمنع انتقال الزيادة إلى المستهلك النهائي”، محذرا من أن ارتفاع أسعار الوقود والنقل قد يقود إلى موجة تضخم أوسع تطال مختلف السلع والخدمات.

وأضاف أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي “يفترض أن يترافق مع إصلاحات أعمق تشمل استئناف تصدير النفط، وتشغيل مصافي عدن، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتحسين ميزان المدفوعات”.

تحديات الميدان وارتداد الأثر

تكشف الحركة التجارية داخل الأسواق اليمنية جانبا آخر من تأثير القرار. ففي جولة ميدانية للجزيرة نت بأسواق مدينة مأرب، بدت الحركة الشرائية نشطة تزامنا مع موسم عيد الأضحى، وسط تسابق المواطنين لشراء احتياجاتهم الأساسية قبل أي موجة ارتفاع جديدة في الأسعار.

تداول الدولار في عدن وسط تقلبات سعر الصرف وتحديات الاستقرار النقدي في اليمن (رويترز)

لكن خلف هذا النشاط، يسيطر القلق على صغار التجار والباعة الذين يخشون من أن تؤدي زيادة الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الوقود والنقل إلى تراجع حركة البيع وتآكل هوامش أرباحهم المحدودة.

ويرى مستوردون أن تأثير القرار الحكومي سيمتد تدريجيا من كلفة الاستيراد والشحن إلى أسعار السلع والخدمات، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين تحت ضغط الأزمات الاقتصادية المتفاقمة.

وبين رهانات الحكومة على زيادة الإيرادات وتخفيف الضغوط على المالية العامة، وتحذيرات القطاع الخاص والخبراء من موجة تضخم جديدة، يبقى المواطن اليمني الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية معقدة، فيما تترقب الأسواق آثار القرار على الأسعار ومستويات المعيشة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

وفي بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد، تبدو معركة الدولار الجمركي اختبارا جديدا لقدرة الحكومة اليمنية على الموازنة بين احتياجات الخزينة المنهكة ومتطلبات السوق وحدود قدرة المواطن على الاحتمال.

ليلى فوزي

صحفي ومحرر أخبار في موقع أقرأ 24، متخصص في تغطية ومتابعة أخبار الاقتصاد، الرياضة، مصر، السعودية، والتعليم. يعمل على تقديم محتوى خبري وتحليلي يعتمد على التحقق من المصادر الرسمية والتحديث المستمر للمعلومات، مع مراعاة تبسيط الأحداث للقارئ وربطها بتأثيرها على الواقع اليومي. يساهم في إعداد التقارير الخاصة والملفات التفسيرية، ويهتم بتقديم محتوى متوازن يوضح الحقائق بعيدًا عن الإثارة المضللة، بما يعزز ثقة القارئ ويواكب معايير الجودة والموثوقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى