تراجع الادخار لأدنى مستوى.. هل تتجه البنوك لطرح شهادة سنة بعائد مرتفع؟

تراجع الادخار لأدنى مستوى.. هل تتجه البنوك لطرح شهادة سنة بعائد مرتفع؟

رجح خبراء اقتصاديون ومصرفيون، خلال حديثهم مع “مصراوي”، عودة البنوك إلى طرح شهادات ادخار أجل سنة واحدة بسعر فائدة مرتفع في حال عودة الضغوط التضخمية أو تغير توجهات السياسة النقدية خلال الفترة المقبل رغم تراجع معدلات الادخار لأدنى مستوى.

يأتي ذلك بعد تقرير صادر عن معهد التخطيط القومي بعنوان “فجوة الادخار في مصر: التحديات الحالية وآفاق التحسين”، حذر من اتساع الفجوة بين معدلات الادخار والاستثمار المحلي، وما يترتب على ذلك من زيادة الاعتماد على التمويل الخارجي لتغطية احتياجات الاقتصاد.

وأوضح التقرير أن الادخار المحلي، الذي كان يساهم بنحو 80% من تمويل الاستثمارات قبل عام 2011، شهد تراجعًا حادًا خلال السنوات الأخيرة، قبل إن يصل إلى أقل مستوى في العام المالي الماضي 2024-2025.

وأرجع التقرير هذا التراجع إلى مجموعة من الضغوط الاقتصادية، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم التي وصلت إلى 33.9% خلال 2023، وما تبعها من تآكل الدخول الحقيقية للأسر، إلى جانب ارتفاع أعباء الدين الخارجي، واستحواذ الحكومة على جانب كبير من الائتمان المصرفي لتمويل عجز الموازنة، وهو ما حد من قدرة القطاع الخاص على التوسع الاستثماري.

توقف بنكا الأهلي ومصر عن طرح الشهادات مرتفعة العائد؟

قبل عام توقف بنكا الأهلي ومصر الحكوميان ذراعا البنك المركزي لتنفيذ سياسته النقدية عن طرح شهادات أجل سنة مرتفعة العائد بعد عودة المركزي إلى خفض سعر الفائدة.

كانت الشهادة أجل 23.5% للعائد الشهري و27% للعائد السنوي آخر شهادة طرحها البنكان بعد أن جمعت أكثر من تريليون جنيه في سنة ونصف من طرحها.

لماذا تراجع الادخار في مصر لأدنى مستوى؟

وقال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن تراجع معدلات الادخار في مصر خلال السنوات الأخيرة يرتبط بعدة عوامل اقتصادية وضغوط معيشية، لكنه لا يعني بالضرورة غياب السلوك الاقتصادي الرشيد لدى المواطنين، موضحًا أن جزءًا من الأموال اتجه إلى الاستثمار أو شراء السلع بالتقسيط أو التحول بين الأصول المختلفة في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتغيرات السوق.

وأوضح عبد العال، في تصريحات لـ”مصراوي”، أن انخفاض معدل الادخار لا يرتبط بشكل مباشر بضعف أدوات الادخار المصرفية فقط، بل بتغير سلوك الأفراد في إدارة أموالهم، حيث فضّل كثيرون نقل مدخراتهم من أصل إلى آخر مثل الذهب أو العقارات أو أدوات استثمارية مختلفة، بدلاً من الاحتفاظ بها في أوعية تقليدية طويلة الأجل.

وأضاف أن الشهادات مرتفعة العائد التي طرحتها البنوك منذ مارس 2024 جاءت في إطار إدارة السياسة النقدية ومواجهة التضخم المرتفع، مشيرًا إلى أن البنوك الحكومية اتجهت وقتها إلى طرح شهادات قصيرة الأجل بعوائد مرتفعة لتقليل تكلفة الفائدة طويلة الأجل على الجهاز المصرفي، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات العملاء الراغبين في أدوات ادخار قصيرة المدة.

وأشار إلى أن الإقبال على تلك الشهادات لم يكن ناتجًا عن زيادة حقيقية في الميل إلى الادخار، بقدر ما كان “انتقالًا تكتيكيًا بين الأصول”، موضحًا أن بعض المستثمرين فضلوا تأجيل شراء العقارات أو الدخول في مشروعات جديدة، وتحويل السيولة مؤقتًا إلى الشهادات البنكية للاستفادة من العائد المرتفع.

اقرأ أيضًا: تطبيقات الاستثمار والتمويل غير المصرفي.. منافسة للبنوك أم تكامل؟ خبراء يوضحون

طرح شهادات ادخار مرتفعة العائد يرتبط بعدة شروط

أكد عبد العال أن البنوك قد تعود لطرح شهادات ادخار لمدة سنة بعائد مرتفع، لكن ذلك يرتبط بعدة شروط، في مقدمتها ارتفاع معدل التضخم مجددًا إلى مستويات تتجاوز متوسط العائد الحالي على الشهادات، بما يؤدي إلى تحول العائد الحقيقي إلى عائد سلبي.

وأضاف أن الشرط الثاني يتمثل في اتجاه البنك المركزي إلى تعليق دورة التيسير النقدي أو العودة إلى سياسة التقييد النقدي بصورة غير مباشرة، عبر السماح للبنوك بطرح أوعية ادخارية مرتفعة العائد بهدف الحفاظ على جاذبية الادخار ومنع خروج السيولة إلى بدائل أخرى.

وأوضح أن استمرار استقرار سوق الصرف وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج ساهما خلال الفترة الماضية في دعم معدلات الادخار الحقيقية داخل الجهاز المصرفي، إلى جانب القضاء على السوق الموازية للعملة الأجنبية وعودة التدفقات عبر القنوات الرسمية.

وتوقع عبد العال أن يستمر البنك المركزي في مسار التيسير النقدي حال هدوء معدلات التضخم واستقرار الأوضاع الإقليمية، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى طرح شهادات مرتفعة العائد خلال الفترة المقبلة، مع التركيز بصورة أكبر على دعم النمو والتشغيل.

اقرأ أيضًا: ماذا ينتظر الذهب والدولار بعد تغيير قيادة الاحتياطي الفيدرالي؟

السوق يحتاج إلى أدوات مصرفية أكثر مرونة

من جانبه، استبعد هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، اتجاه البنوك خلال الفترة الحالية إلى الاعتماد بشكل واسع على طرح شهادات ادخار مرتفعة العائد كحل لمواجهة تراجع معدلات الادخار، مشيرًا إلى أن السوق أصبح بحاجة إلى أدوات مصرفية أكثر مرونة تتناسب مع حالة عدم اليقين الاقتصادي الحالية.

وأوضح أبو الفتوح، في تصريحات لـ”مصراوي”، أن شهادات الادخار التقليدية، خاصة طويلة الأجل، أصبحت أقل جاذبية مقارنة بالفترات السابقة، في ظل التغيرات السريعة في أسعار الفائدة والتطورات الاقتصادية والجيوسياسية داخليًا وخارجيًا.

وأضاف أن تجميد الأموال لفترات طويلة، حتى مع تقديم عوائد مرتفعة، لم يعد الخيار المفضل لكثير من العملاء، خاصة مع احتمالات تغير معدلات التضخم والفائدة بشكل سريع نتيجة أي تطورات إقليمية أو عالمية.

وأشار إلى أنه في حال طرحت البنوك شهادات بعائد مرتفع، ثم ارتفع التضخم لاحقًا واضطر البنك المركزي إلى زيادة أسعار الفائدة، فإن العائد الحقيقي على تلك الشهادات قد يفقد جزءًا من جاذبيته، وهو ما يجعل العملاء أكثر ترددًا في ربط أموالهم لفترات طويلة.

ووصف تراجع معدل الادخار من مستويات بلغت نحو 15% سابقًا إلى قرابة 1% حاليًا، بحسب دراسة للمركز القومي للتخطيط، بأنه “مؤشر خطير”، موضحًا أن ارتفاع معدلات الادخار يمنح الجهاز المصرفي قدرة أكبر على تمويل خطط التنمية والمشروعات المختلفة.

وأكد أن ضعف الحافز لدى المدخرين لإيداع أموالهم في البنوك ينعكس بصورة مباشرة على حجم السيولة المتاحة للتوظيف والاستثمار داخل الاقتصاد.

وشدد أبو الفتوح على أن المرحلة الحالية تتطلب تطوير أدوات ادخارية واستثمارية أكثر مرونة بعيدًا عن الشكل التقليدي للشهادات، بما يتلاءم مع طبيعة المتغيرات الاقتصادية التي شهدتها الأسواق خلال السنوات الأخيرة.

اقرأ أيضًا: سيناريو عودة الحرب بين إيران وأمريكا.. كيف تتأثر الأسواق العالمية؟

الاحتياطي الإلزامي يعرقل طرح شهادات سنة

قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن اتجاه البنوك لطرح شهادات ادخار قصيرة الأجل بعوائد مرتفعة ليس قرارًا سهلًا، في ظل ارتفاع تكلفة الأموال وتأثيرها المباشر على المراكز المالية للبنوك.

وأوضح نجلة، في تصريحات لـ”مصراوي”، أن أي زيادة في العائد على الشهادات يجب أن يقابلها مصدر تمويل أو عائد مناسب للبنوك، مشيرًا إلى أن رفع الفائدة على الأوعية الادخارية ينعكس بصورة مباشرة على الإيرادات والمصروفات، وبالتالي لا يمكن التحرك في هذا الاتجاه بشكل منفصل أو سريع.

وأضاف أن الخطوة الأقرب خلال الفترة المقبلة قد تأتي من جانب البنك المركزي عبر خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي على البنوك، والتي ما تزال مرتفعة نسبيًا عند 16%، معتبرًا أن تقليص هذه النسبة قد يمنح البنوك مساحة أكبر لتحسين العائد المقدم للمدخرين.

كان مجلس إدارة البنك المركزي المصري قرر في ديسمبر الماضي خفض نسبة الاحتياطي النقدي التي تلتزم البنوك بالاحتفاظ بها لديه 2% إلى 16% بدلا من 18%.

الاحتياطي الإلزامي هي نسبة تلتزم البنوك بإيداعها لدى المركزي من إجمالي الودائع أقل من 3 سنوات وفق معايير الحوكمة والرقابة.

وأشار نجلة إلى أن تراجع معدلات الادخار خلال السنوات الأخيرة يرتبط بشكل كبير بموجات التضخم المرتفعة، التي دفعت شريحة واسعة من المواطنين للاتجاه نحو الاستثمار المباشر في أصول أو أدوات مختلفة بدلًا من الاحتفاظ بالمدخرات التقليدية.

وتوقع نجلة أن يناقش البنك المركزي هذه المسألة خلال الاجتماعات المقبلة، خاصة مع تنامي التحديات المرتبطة بالادخار والسيولة داخل السوق.

اقرأ أيضًا: لماذا تتفق التوقعات على تثبيت البنك المركزي أسعار الفائدة الخميس المقبل؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *