من الجزار إلى المجمد.. رحلة المصريين الشاقة مع أسعار اللحوم

تاجر مواشٍ يزن خروفا في سوق السيدة زينب للمواشي في القاهرة، 23 مايو 2026 (أحمد مسعد/Getty)
بعد أن خفتت تكبيرات عيد الأضحى، لم تنتهِ الحكاية في الشوارع المصرية عند مشهد الأضاحي و”شوادر” أسواق الماشية، بل بقيت آثارها واضحة في رحلة أخرى موازية عاشتها آلاف الأسر، رحلة البحث عن كيلوغرام من اللحم بسعر يحتمله الجيب، وسط ضغوط معيشية جعلت من شراء اللحوم معركة يومية لا تقل صعوبة عن شراء الأضحية نفسها.
ولم يعد شراء لحوم العيد طقسا عابرا يمر مع أيام الأضحى، بل تحول هذا العام إلى اختبار قاسٍ للقدرة الشرائية، أشبه بمطاردة خيوط بورصة صغيرة تتبدل أسعارها بين حي وآخر، وجزار وآخر، ومنفذ وآخر. وبين الرغبة في الحفاظ على عادة اجتماعية راسخة، وضغط الأسعار على الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل، ليجد الكثير من المصريين أنفسهم أمام خيارات ضيقة، لا تسمح غالبا إلا بشراء كميات أقل، أو اللجوء إلى بدائل أرخص.
هكذا كشف موسم الأضحى، مرة أخرى، أن اللحوم في مصر لم تعد مجرد مكون رئيسي على مائدة العيد، بل أصبحت مؤشرا اجتماعيا واقتصاديا على حجم الضغط الذي تعيشه الأسر. وبين من استطاع شراء الأضحية، ومن اكتفى بنصيبه من التوزيع، ومن دار بين المنافذ بحثا عن أرخص سعر، ظل العيد محتفظا بطقسه الرمزي، لكن بكلفة أثقل، وحسابات أكثر قسوة داخل بيوت كثيرة.
الجزار البلدي وكرامة العيد
في حي زنانيري العتيق بوسط مدينة الإسكندرية شمالي مصر، كما في أزقة السيدة زينب بالقاهرة، يمثل دكان الجزار البلدي معقلا لثقافة شعبية تقاوم التغيير. هنا يتجاوز سعر كيلو اللحم “الكندوز” (البلدي الطازج) حاجز الـ500 جنيه، وقد يصل في بعض المناطق إلى 650 جنيها.
زبون هذا المكان ينتمي إلى الشريحة المتوسطة التي تآكلت، أو العائلات التي ترى في “اللحمة البلدي” كرامة العيد التي لا يمكن التنازل عنها سواء من خلال اقتناء اللحوم الجاهزة أو الأضاحي.
يقول الحاج متولي، جزار بالإسكندرية لـ”العربي الجديد”: “رغم تباين وزيادة الأسعار زبوني معروف، موظف كبير، أو صاحب محل، أو عائلة تخصص ميزانية سنوية لتشتري لحمة العيد للحفاظ على أحد أهم الطقوس الاجتماعية في عيد الأضحى هم لا يقبلون اللحم المستورد، ويقولون إن العيد يعني تجمع العائلة حول ولائم الشواء والفتة التقليدية”.
فيما يقول الحاج عبد العال عطوة، صاحب محل جزارة شهير وسط الإسكندرية، لـ”العربي الجديد”: “رغم الزيادة الملحوظة في الطلب على الشراء في هذه الفترة إلا أن الزبائن لم يعودوا يطلبون بالكيلوغرامات المفتوحة، بسبب الغلاء وتراجع القدرة الشرائية للغالبية العظمى منهم”.
طوابير المنافذ الحكومية
وعلى الجانب الآخر من الشارع، تمتد طوابير طويلة منذ الساعات الأولى للعمل أمام المجمعات الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين ومنافذ وزارة الزراعة، المستمرة لدعم المواسم. ويدور البحث عن اللحوم السودانية والجيبوتية الطازجة، والتي تطرحها الحكومة بأسعار تتراوح بين 330 و400 جنيه للكيلوغرام.
زبون هذه المنافذ هو المواطن المطحون الذي يحاول التوفيق بين رغبته في الاحتفاء بالمناسبة السنوية و طهي لحم طازج (مشابه للبلدي) وبين ميزانيته المخنوقة. فالطوابير هناك ليست مجرد صفوف انتظار، بل هي مساحة لتبادل الشكوى والحكايات اليومية عن الغلاء الذي حوّل العادة السنوية إلى عبء مالي وانخفاض قيمة الجنية الذي يدور قرب مستوى 53 جنيها، وفق البنك المركزي المصري.
تقف أم محمد، وهي ربة منزل وأم لأربعة أطفال، في طابور منفذ “أمان” التابع لوزارة الداخلية، وتقول وعيناها تراقبان حركة الميزان في الداخل: “اللحمة هنا جيدة وتؤدي الغرض، والفرق بينها وبين الجزار البلدي أكثر من 150 جنيهاً في الكيلوغرام. هذا الفرق يعني شراء احتياجات ضرورية أخرى”.
وقال أشرف عوني، موظف بالمعاش وهو في طابور منفذ وزارة الزراعة: “تتميز هذه المنافذ، سواء التابعة للتموين أو الزراعة أو منافذ كلنا واحد، بأنها تقدم لحوماً تُذبح داخل المسالخ المصرية بعد استيراد الماشية حية، مما يجعلها الخيار الأقرب بالنسبة لشريحة واسعة من أصحاب المعاشات ومحدودي الدخل. على الرغم من اشتراط المنفذ إضافة 100 غرام دهون على كل كيلوغرام لحم من أصل الميزان، ليصبح هذا السعر مقابل 900 غرام فقط من اللحم”.
اللحوم المجمدة ملاذ أخير
وحين تضيق السبل تماما، وتصبح الـ330 جنيهًا عبئاً لا تطيقه طاقة الأسرة، تتجه الأقدام نحو المحطة الأخيرة في رحلة البحث لشراء احتياجاتهم قبل حلول المناسبة التي ينتظرها ملايين المصريين كل عام، وهي متاجر اللحوم المجمدة (البرازيلي والهندي). في هذه المحلات، التي تنتشر بكثافة في جميع الأحياء، يبدأ سعر كيلوغرام اللحم البقري المجمد من 260 جنيها ويصل إلى 300 جنيه، بينما يسجل اللحم المفروم والقطع الهندي أسعاراً أقل تبدأ من 180 جنيهاً.
وينتمي زبون “المجمد” للشريحة الأكثر احتياجاً، أو العائلات التي تخلت تماماً عن فكرة “شوربة العيد” التقليدية، واستبدلتها بالوجبات التي تعتمد على التوابل والفرم لإخفاء طبيعة اللحم المجمد، مثل “الحواوشي”، “الكفتة”، أو “الصواني”.
وفي هذا الصدد، تحدث محمد رزق، وهو عامل باليومية في ورشة نجارة لـ”العربي الجديد” عن رحلته لتدبير احتياجاته من اللحوم المجمدة التي تعتبر بديلاً مناسبًا لمن لا يستطيعون شراء “البلدي” سواء بتقليل الكمية المشتراة أو البحث بين التجار في عدد من المناطق عن عروض مناسبة تناسب ميزانيته قبل العيد. وقال إن “اللحمة المجمدة هي التي ستمنح بيتي عيدًا في هذا العام، فالميزانية المرصودة لا تزيد عن 500 جنيه لأسرة مكونة من 5 أشخاص، واللحم البلدي أصبح من الذكريات، والمهم الآن هو أن يأكل الأطفال اللحم في العيد كباقي أقرانهم”. بينما يؤكد شكري محمد، صاحب إحدى ثلاجات اللحوم المجمدة، لـ”العربي الجديد” أن “ارتفاع أسعار اللحوم لا يختلف عن باقي السلع الغذائية، التي شهدت ارتفاعا ملحوظا يتراوح بين 15 و20% بعوامل داخلية أو خارجية مثل الحرب أو الدولار”.
وفرة السوق وضغط الكلفة
بدوره أكد هيثم عبد الباسط، رئيس شعبة القصابين بالغرف التجارية، أن “الأسواق تشهد توافرًا كبيرًا في مختلف أنواع اللحوم، سواء البلدية أو المستوردة، بالتزامن مع قرب حلول عيد الأضحى، والذي يعد الموسم الأكثر استهلاكا للحوم خلال العام”. وأضاف في حديثة لـ”العربي الجديد” أن “السوق المحلية تواجه ضغوطًا متعددة في الوقت الحالي بفعل تداعيات التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب في المنطقة، من بينها ارتفاع أسعار الأعلاف ومستلزمات الإنتاج التي يتم استيراد نحو 70% منها من الخارج، ما دفع العديد من المربين إلى تقليص دورات التربية أو الخروج من النشاط مؤقتًا”.
الدولة تضخ المعروض
في المقابل أكدت الشركة المصرية للحوم والدواجن التابعة لوزارة التموين، استمرار ضخ كميات كبيرة من اللحوم الحمراء والدواجن بمختلف أنواعها داخل المجمعات ومنافذ البيع على مستوى الجمهورية، استعدادًا لتلبية احتياجات المواطنين. وأوضحت الشركة أن الماشية يتم استيرادها حية من دول المنشأ، من دولتي السودان وجيبوتى، ثم تخضع لفترة رعاية وتأهيل داخل مصر تمتد من 3 إلى 4 أشهر، مع تغيير المرعى الخاص بها، وذلك تحت إشراف كامل من الأطباء البيطريين، لضمان سلامتها وجودتها قبل عمليات الذبح والتوزيع، بالإضافة إلى استيراد اللحوم المجمدة من أستراليا والهند ونيوزيلندا.




