بين دفء الأحياء الشعبية وخصوصية العمارات الحديثة

بين دفء الأحياء الشعبية وخصوصية العمارات الحديثة

​شهدت ولاية عنابة في الآونة الأخيرة تحولاً عمرانياً واجتماعياً عميقاً، ألقى بظلاله على نمط حياة العائلات التي انتقلت إلى المجمعات السكنية الحديثة، سواء ضمن أحياء “عدل” أو المشاريع الترقوية العقارية الموزعة عبر مختلف بلديات الولاية، حيث أدى هذا الانتقال المكاني إلى بروز ما يمكن تسميته بظاهرة “المجتمعات المغلقة”، وهي تلك الأحياء التي يسعى قاطنوها لإحاطتها بأسوار مادية ومعنوية للتكيف مع بيئة سكنية تختلف جذرياً عن المعمار التقليدي الذي طالما ميز خصوصية عنابة القديمة.

دوافع التحول نحو “المجتمعات المغلقة”

جاء ظهور هذه الظاهرة نتيجة مباشرة لاتساع الرقعة العمرانية وتزايد المخاوف الأمنية لدى السكان، خاصة مع تسجيل ارتفاع ملموس في معدلات سرقة السكنات والسيارات، فضلاً عن انتشار بعض السلوكات الدخيلة التي باتت تقلق راحة العائلات، وأمام اتساع المساحات المشتركة وصعوبة التحكم الإداري فيها، وجد المواطنون أنفسهم مضطرين للاعتماد على الذات لفرض النظام والسكينة، مما دفع المجموعات السكنية نحو تشكيل منظومة أمنية واجتماعية موازية تتولى حماية الأحياء وتسيير شؤونها اليومية.

آليات التنظيم الذاتي والتدابير الأمنية

تجسد هذا المسعى الميداني في تفعيل “لجان العمارات” وتعزيز دور اتحاد المالكين بشكل غير مسبوق، حيث تبنت العائلات خططاً تأمينية خاصة بمحيطها المباشر، شملت الإجراءات التالية:

  • استحداث اشتراكات مالية شهرية لتغطية تكاليف الحراسة الخاصة على مدار الساعة.
  • تثبيت كاميرات مراقبة متطورة عند المداخل الرئيسية والمصاعد والمآرب.
  • تركيب أبواب إلكترونية مصفحة تعمل بالرقائق المغناطيسية لضمان أقصى درجات الأمان.
  • تنظيم حملات تشجير وتزيين للمساحات الخضراء وتوفير إنارة إضافية للممرات لكسر جمود الكتل الإسمنتية.

مقارنة بين النمط العمراني التقليدي والحديث في عنابة

وجه المقارنة الأحياء العنابية القديمة (النمط التقليدي) المجمعات السكنية الحديثة (النمط الجديد)
طبيعة العلاقات روابط أخوية قوية قائمة على القرابة و”العروش”. علاقات رسمية قائمة على “عقد إدارة العمارة”.
مفهوم الأمان رقابة اجتماعية تضامنية وتواجد أبناء “الحومة”. حراسة خاصة، كاميرات مراقبة، وأبواب إلكترونية.
الخصوصية تداخل اجتماعي كبير ومشاركة في تفاصيل الحياة. استقلالية تامة وخصوصية عالية للأسرة.
التواصل تواصل مباشر وشخصي في الأزقة والساحات. تواصل رقمي عبر مجموعات منصات التواصل الاجتماعي.

سحر الأحياء العتيقة ودفء الروابط الاجتماعية

عند مقارنة هذا المشهد بنمط العيش الذي كان سائداً في أحياء مثل “بلاص دارم” و”لاكولون” وسيدي إبراهيم، نجد أن تلك المناطق كانت تنبض بدفء اجتماعي وعلاقات إنسانية متينة، حيث كانت “سكنات العرب” متجاورة ومتلاصقة، وكان الجار يحرس بيت جاره ويتقاسم معه لقمة العيش، في ظل أمان منتشر بفضل الرقابة التضامنية التي جعلت من الحي عائلة واحدة كبيرة.

الخصوصية والاستقلالية في النمط العمراني الحديث

في المقابل، يرى قطاع واسع من سكان مجمعات “عدل” والترقيات العقارية أن هذا النمط الهندسي والاجتماعي يوفر راحة بال أكبر، حيث تمنح الاستقلالية والابتعاد عن الجيران غير المعروفين خصوصية تامة للأسرة، وتجنبها الكثير من الاحتكاكات والمشكلات اليومية الناتجة عن الاكتظاظ، معتبرين أن هذا النموذج يلبي متطلبات الحياة المعاصرة وساعات العمل الطويلة التي تتطلب الهدوء والاسترخاء بعيداً عن الفضول أو التدخلات الزائدة.

من الجيرة العفوية إلى الشراكة التعاقدية

بهذا التحول، حلت العلاقات الفردية محل الدفء التلقائي، إذ تحول الجار من شريك في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى شريك في إدارة المرفق السكني، وصارت القرارات الجماعية تُدار بمرونة وسرعة عبر مجموعات التواصل الاجتماعي الخاصة بكل عمارة أو مجمع.

مفارقة الأمان مقابل العزلة الاجتماعية

ورغم النجاح الملموس في الحد من التجاوزات والسرقات وإعادة الطمأنينة للأمهات والأطفال، إلا أن هذا النموذج ينطوي على مفارقة اجتماعية؛ فبينما نجحت هذه الأساليب في إيجاد حماية أمنية وتضامن محلي منظم، إلا أنها أسهمت في تعزيز نوع من العزلة والانطواء، حيث بات كل مجمع سكني يشكل كياناً مستقلاً بذاته، مما قلص فرص الاندماج الاجتماعي الشامل وجعل العلاقات محدودة بحدود السور الخارجي.

نحو توازن بين الأمن والترابط المجتمعي

تستدعي هذه الديناميكية الاجتماعية الجديدة في عنابة قراءة متأنية من طرف المختصين في علم الاجتماع الحضري والجهات التنفيذية، خاصة وأن الأمن والهدوء الملاحظين هما ثمرة تضحيات مالية وتنظيمية وقع عبؤها الكامل على كاهل المواطنين، ويبقى التحدي القادم في كيفية الموازنة بين المطالب المشروعة في الأمن والخصوصية، وبين فتح آفاق تواصل اجتماعي سليم يعيد روح التضامن العنابي الأصيل دون القبول بالتقوقع والتباعد بين سكان الأحياء الجديدة.