هل يظل الدولار حاضنًا مغريًا للاستثمار في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة

هل يظل الدولار حاضنًا مغريًا للاستثمار في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة

يواجه المستثمرون، سواء المنخفضين أو الكبار، حالة من التشتت في اتخاذ القرارات بسبب التقلبات السريعة والحادة التي تسيطر على الأسواق المالية، لا سيما سوق الذهب، والدولار، والنفط. ومع تزايد السيطرة للعوامل الجيوسياسية على المشهد الاقتصادي، تسببت السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط وتحركاتها ضد إيران في آثار مباشرة وواسعة النطاق على اتجاهات الأسعار وتوقعات الاستقرار في إطار المعادلات الاقتصادية.

المستثمرون الذين دخلوا سوق الذهب متأخرين بعد أن سجلت الأسعار مكاسب قياسية على مدار العام السابق ووصلت إلى ذروتها التاريخية في كانون الثاني/يناير، تكبدوا خسائر فادحة في النصف الأول من العام. أما من خرجوا من سوق الدولار، بما يشمل أدوات مثل السندات وأذون الخزانة، فقد عادوا إليه بسرعة مع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى.

وفي سوق الأسهم، التي كانت قد حققت مكاسب كبيرة وسط توقعات بانخفاض أسعار الفائدة، عادت إلى اللون الأحمر عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة. كما أدى عدم اليقين حول السياسات الأمريكية، بين الحرب والدبلوماسية، خاصة في مواجهة إيران، إلى ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

رغم انخفاض أسعار الخام الأمريكية (ويست تكساس) والبريطانية (برنت) في الأيام الأخيرة، إلا أن خامات الشرق الأوسط، مثل العربي الخفيف ومربانات، ظلت فوق مستوى 100 دولار، مرهونة بما ستسفر عنه المواجهة الأمريكية-الإيرانية.
سجلت اتجاهات المعاملات في السنوات الأخيرة زيادة في تنويع سلة العملات في الاحتياطيات الخاصة بالبنوك المركزية العالمية، بما يشمل البنك المركزي الأوروبي وبنك الشعب الصيني، حيث أصبحت قيمة اليورو واليوان من الأمور ذات الأهمية الكبرى في نظام العملات الدولي.

وفي العام الماضي، فاجأ البنك المركزي الأوروبي بوضعه ارتفاع نسبة احتياطي الذهب إلى أعلى مستوى مقارنة بالدولار والعملات الأخرى، مع الاحتفاظ بنسبة 49.5% من قيمة احتياطاته الذهبية، حيث بلغت 116.8 مليار يورو، أي ما يعادل 57.8 مليار دولار، مع بقاء كمية الذهب عند حوالي 506.5 طن كما كانت في نهاية عام 2022. بالمقابل، كانت نسبة الاحتياطي من العملات الأجنبية، بما فيها الدولار، حوالي 48.6%.

تاريخ احتياطات الذهب والعملات الأجنبية

ارتبط سعر الدولار منذ عام 1934 بالذهب بمقدار ثابت قدره 35 دولارًا للأونصة، استنادًا إلى قرار الرئيس فرانكلين روزفلت، حتى عام 1971، حين أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إنهاء العلاقة الثابتة بين الدولار والذهب، مما أدى إلى تأسيس نظام بريتون وودز، الذي تضمن تحويل الدولار إلى ذهب عند الطلب. بعد ذلك، شهدت أسعار الذهب مسارات متباينة، رغم أن الولايات المتحدة ظلت أكبر حائز للذهب عالميًا، وزادت دول العالم استثماراتها في الدولار لتعزيز قاعدتها من النقد الأجنبي.

نسبة الاحتياطي من الذهب نسبة الاحتياطي من العملات الأجنبية
49.5% 48.6%

موقع الدولار في الاحتياطات العالمية

رغم توسع حيازة الذهب على حساب العملات، ما زال الدولار يحتفظ بمكانته المميزة بين احتياطيات البنوك المركزية، حيث تشكل نسبة الدولار في الاحتياطي العالمي حوالي 57.1%، وفقا لإحصائيات صندوق النقد الدولي، مقابل 20.3% لليورو. وتقل حصة العملات الأخرى، بما في ذلك اليوان الصيني، عن 5%.

وقد أدى تزايد التنويع في احتياطي العملات إلى تعزيز مكانة الدولار كعملة استثمار رئيسية على مستوى العالم، مع أن بعض الخبراء يعتقدون أن الوضع قد يتغير مع تطور التكنولوجيا وظهور عملات رقمية وبدائل أخرى.

الاعتماد على الدولار في النظام النقدي العالمي

على الرغم من تنويع الاحتياطيات، فإن الدولار لا يزال يعمل كعملة أساسية للاستثمار، ويظهر أن مسؤولية الاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية، التي تعد من أشد وأهم أدوات الاستثمار الدولارية، لا تزال تلقى الثقة لدوره المستمر. وفي حال فشل الولايات المتحدة في السيطرة على التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع الدولار، مما يوسّع نطاق الهجرة من الأوعية الاستثمارية الأخرى، خاصة في اقتصادات الدول النامية والمرتبطة بقوة بالنفط المسعر بالدولار.

مؤشر الاعتماد على الدولار

قام الباحث بتطوير مؤشر يُعرف بـ «معدل الاعتماد على الدولار – Dollar Dependence Index»، ويختصر بـ DDI، بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، لمدة عدة أشهر تضمنت مناقشات معمقة حول طبيعة اعتماد النظام النقدي الدولي على الدولار، ومدى تأثر ذلك الاعتماد بظهور عملات قوية مثل اليورو، صعود الصين، العملات الرقمية، وتطور التكنولوجيا التي تؤثر على الحدود الاقتصادية العالمية، بالإضافة إلى اختبارات التحمل في النظام.

وجد التحليل أن الدولار لا يزال يحتفظ بأكبر قدر من القدرة على الصمود أمام الاختبارات التكنولوجية والمالية والجيوسياسية مقارنةً بالعملات الأخرى، ويؤكد أن الانتقال من النظام الحالي إلى مرحلة ما بعد الدولار ستكون عملية طويلة وتدريجية، ولن يحدث تقويض حاد لمكانة الدولار إلا مع ظهور عملة أو وسيط جديد يثق فيه المتعاملون.

آلية قياس الاعتماد على الدولار من خلال مؤشر DDI

المؤشر يقيس الاعتماد الهيكلي على الدولار وليس مجرد حصة الدولار في المعاملات، ويعتمد على تقييم علاقات شبكة معقدة بين الدولار والعمليات النقدية، مثل التسعير، التسوية، التمويل، السيولة، والاحتياطيات. فهو يطرح أسئلة متعددة لقياس مدى الاعتماد، مثل:

  • هل تمت تسوية الصفقة مباشرة بالدولار؟ (DDI-1)
  • هل يتطلب تنفيذ المعاملة دخول أسواق الدولار للتمويل أو السيولة؟ (DDI-3)
  • هل يتم تسعير السلع والأصول دوليًا بالدولار؟ (DDI-4)
  • هل يحتاج البنك المركزي إلى أصول دولارية ضمن آليات الاحتياطي؟ (DDI-5)

وفي كل مرحلة، يُساعد التحليل في تحديد مدى الاعتماد الفعلي على الدولار، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويؤكد أن الاعتماد الشبكي والمؤسسي هو الهدف الأساسي للمؤشر.