تراجع أسعار الذهب رغم ارتفاع مشتريات البنوك المركزية القياسية

تراجع أسعار الذهب رغم ارتفاع مشتريات البنوك المركزية القياسية

بينما تواصل البنوك المركزية زيادة احتياطياتها من الذهب، الذي يُعتبر أحد الأدوات الأساسية لتنويع الأصول والتحوط من المخاطر، تتعرض أسعار الذهب العالمية لضغوط هبوطية تثير تساؤلات بين المستثمرين عن السبب وراء تراجع الأسعار رغم استمرار عمليات الشراء الرسمية القوية، وهل يعني هذا التراجع أن جاذبية المعدن الأصفر بدأت تتراجع. في هذا السياق، تتضح مفارقة مهمة: فالبنوك المركزية تتبع استراتيجيات طويلة الأجل لشراء الذهب، بينما تعكس أسعار السوق الحالية توازنات العرض والطلب وتوقعات المستثمرين اللحظية، مما يعني أن استمرار عمليات الشراء الرسمية لا يمنع حدوث تصحيحات سعرية قوية في الأسواق العالمية.

مجلس الذهب العالمي.. ماذا تكشف مشتريات البنوك المركزية؟

تشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أهمية الطلب الرسمي ورفع البنوك المركزية لحيازاتها من الذهب بهدف تنويع الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على أصول معينة، وتقوية القدرة على مواجهة التقلبات الاقتصادية والمالية العالمية.
وتبرز دول مثل الصين، بولندا، وأوزبكستان بين الدول التي اتجهت منذ فترات مختلفة إلى زيادة ممتلكاتها من المعدن النفيس، في إطار سياسات إدارة احتياطيات طويلة الأجل.
لكن مع ذلك، فإن تلك المشتريات رغم أهميتها، لا تعكس الدور الحاسم الذي تلعبه البنوك المركزية في تحديد السعر العالمي للذهب، حيث تتأثر الأسعار أيضا بتدفقات صناديق الاستثمار، تداول العقود الآجلة، تحركات الدولار، وتوقعات أسعار الفائدة الأمريكية.
وبذلك، يمكن القول إن الطلب المرتفع من قبل المؤسسات الرسمية يدعم الاتجاه طويل الأجل، لكنه لا يلغي ضغوط البيع قصيرة الأمد في السوق.

أسباب تفسر هبوط الذهب رغم الشراء الرسمي

1- قوة الدولار الأمريكي

عادة، تؤثر تحركات الدولار بشكل كبير على أسعار الذهب، إذ يُسعر المعدن عالميًا بالدولار، وعندما يرتفع الدولار، تصبح تكلفة شراء الذهب أعلى بالنسبة للمستثمرين الذين يتداولون بعملات أخرى، مما يضغط على الطلب الاستثماري على المعدن النفيس.

2- عوائد السندات الأمريكية

الذهب لا يوفر عائدًا دوريًا كما تفعل السندات، لذلك، مع ارتفاع العوائد الحقيقية على الأصول المنافسة، يتراجع جاذبية شراء الذهب، حيث يختار المستثمرون غالبًا توزيع محافظهم بعيدًا عن المعدن الثمين، بحثًا عن عوائد ثابتة أو أعلى.

3- توقعات أسعار الفائدة

التغيرات في توقعات السياسات النقدية الأمريكية تؤثر بشكل ملحوظ على شهية المستثمرين للذهب، فإذا توقعت الأسواق أن تظل معدلات الفائدة مرتفعة لفترة أطول، قد يعاني الذهب من ضغوط هبوطية، بالرغم من عمليات الشراء الرسمية المستمرة.

4- جني الأرباح بعد الارتفاعات

عندما يحقق الذهب مستويات سعرية مرتفعة، يميل بعض المستثمرين إلى تصفية مراكزهم لتحقيق أرباح، وهي حركة قد تؤدي إلى تراجع سريع في الأسعار، خاصة إذا تزامنت مع تراجع المراكز المضاربية أو تصفية الاستثمارات.

5- سلوك المستفيدين من السوق

تعمل البنوك المركزية ضمن خطط استراتيجية تمتد لسنوات، أما المستثمرون والصناديق، فيمكنهم شراء وبيع الذهب خلال دقائق، مما يسمح لموجات البيع قصيرة الأجل بأن تتغلب على تأثير عمليات الشراء الرسمية خلال جلسة تداول واحدة.

الصين.. لماذا تشتري الذهب وتقلل الاعتماد على الأصول الأمريكية؟

تمثل الصين مثالًا بارزًا في مناقشة مستقبل حيازات الذهب، حيث تتجه لزيادة تنويع احتياطياتها وتعزيز حيازاتها من المعدن النفيس.
وبحسب البيانات، بلغت حيازات الصين من الذهب حوالي 2366 طنًا، ويفترض أن يمثل المعدن حوالي 8-9% من احتياطياتها الأجنبية.
ويُذكر أن حيازات الصين من السندات الأمريكية تراجعت بنحو 127.4 مليار دولار منذ بداية عام 2025، لكن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة أن القيمة تراجعت وتوجّهت مباشرة إلى الذهب، إذ يمكن أن تتوزع الاحتياطيات بين أدوات وأصول متنوعة.
وكذلك، تشير هذه المؤشرات إلى مسار نحو تنويع الاحتياطيات، لكنها لا تمنع من تراجع الأسعار العالمية في الأجل القصير، إذ تعتمد موجات البيع والشراء على عوامل متعددة.

هل هبوط الذهب فرصة للشراء أم بداية موجة تراجع جديدة؟

يصعب الاعتماد على مشتريات البنوك المركزية وحدها لتحديد اتجاه الذهب في السوق، إذ أن تراجع السعر ليوم واحد لا يعبر عن انتهاء الاتجاه الصاعد بشكل قطعي.
ومن المهم مراقبة عدة مؤشرات، مثل حركة الدولار، والعوائد الحقيقية للسندات الأمريكية، وتوقعات أسعار الفائدة، وتدفقات صناديق الذهب، واستمرار الطلب الرسمي.
والمستثمرون الراغبون في شراء الذهب يجب عليهم تحديد هدفهم من الاستثمار، والإطار الزمني، ومدى تحملهم لتقلبات السوق، مع الأخذ في الاعتبار أن التوقعات لا تتوقف على استمرارية مشتريات البنوك المركزية بنفس الوتيرة.

إجمالي حيازات الصين من الذهب نسبة الذهب من الاحتياطيات الأجنبية تراجع حيازات السندات الأمريكية (بمليار دولار)
2366 طن 8-9% 127.4 مليار دولار منذ بداية 2025

وفي السوق المصرية، يُلاحظ أن سعر الذهب المحلي يتأثر بشكل كبير بسعر الدولار وتكاليف التداول، المصنعية، وهوامش البيع والشراء، مما يبرز أهمية متابعة السوق المحلية بشكل خاص.