منوعات

بين البنك و”السكوار”.. لماذا تتردد الجالية في تحويل أموالها عبر القنوات الرسمية؟

نُشر يوم: 22 سبتمبر 2026

تشير أحدث الأرقام التي وردت في تقرير الصندوق الدولي للتغذية الزراعية، إلى أن التحويلات المالية للمغتربين الجزائريين تُعتبر من بين الأدنى دوليا وإقليميا في وقت تشهد فيه تحويلات المهاجرين نحو بلدانهم الأم ارتفاعا ملحوظا.

وبلغت قيمة التحويلات المالية الواردة إلى الجزائر نم طرف المغتربين في سنة 2025، نحو 1.799 مليار دولار أمريكي، أي ما يقارب 1.8 مليار دولار.

و لا تمثل هذه القيمة سوى 1 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو 4 بالمائة من إجمالي الصادرات الوطنية.

ما أسباب عزوف الجالية عن تحويل أموالها؟

يرى النائب البرلماني السابق عن الجالية، وعضو الشبكة الدولية لخبراء المنظمة الدولية للتعاون والتنمية الاقتصادية، عبد الوهاب يعقوبي، أن انخفاض التحويلات الرسمية للجالية الجزائرية لا يمكن تفسيره بغياب رغبة الجالية في دعم الجزائر فقط، معتبرا أن المشكلة أعمق وترتبط أساساً ببيئة الصرف والثقة والقنوات المالية الرسمية.

ولفت عبد الوهاب يعقوبي، الانتباه إلى أن تحويلات الجزائر بلغت نحو 1.8 مليار دولار، مقابل أكثر من 41.5 ملياراً لمصر و13.7 ملياراً للمغرب.

وهنا أبرز يعقوبي، في تصريحات لمنصة “أوراس”، أن التحويلات المسجلة رسمياً لا تعكس بالضرورة كل الأموال التي تدخل الجزائر من أعضاء الجالية، مشيرا إلى أن جزء بسيطا جدا منها يدخل نقداً، أو يُنفق مباشرة داخل البلاد، وكتلة كبيرة جدا تمر خارج القنوات المصرفية.

ووفقا لمحدثنا فإن السبب الحقيقي في ذلك والمشكلة الأساسية تتمثل في ازدواجية سعر صرف الدينار.

وتابع: “عندما يكون اليورو في السوق الرسمية في حدود 153 ديناراً، بينما يتداول في السوق الموازية عند مستويات تقترب من 275–280 ديناراً، يصبح الفارق الاقتصادي ضخماً”.

وعاد عضو الشبكة الدولية لخبراء المنظمة الدولية للتعاون والتنمية الاقتصادي، لأرقام صندوق النقد الدولي، التي تؤكد أن علاوة السوق الموازية في الجزائر اتسعت بشكل كبير، وربطها خصوصاً بالقيود على بعض معاملات الصرف وتراجع التحويلات، ودعا إلى إجراءات لتقليص هذا الفارق والحد من نشاط السوق الموازية.

وبناء على ذلك طرح عبد الوهاب يعقوبي سؤالا يفرض نفسه بإلحاح: “كيف نريد من المواطن الجزائري المقيم بالخارج أن يضع أمواله في النظام المصرفي الرسمي، بينما توجد أمامه فجوة هائلة بين السعر الرسمي والسعر الذي يفرضه السوق الموازي؟”.

ويؤكد يعقوبي في تصريحاته، أنه وجه أسئلة للحكومة خلال الفترة البرلمانية السابقة بصفته عضوا بالمجلس الشعبي الوطني، حول سوق السكوار، وحقيقة السوق الموازية للعملة، واستمرار السعر المزدوج للدينار، وتأثير ذلك على الاقتصاد وعلى أموال الجالية، متؤسفا لعدم تلقي أجوبة تضع الرأي العام أمام سياسة واضحة لمعالجة أصل المشكلة.

وأَضاف: “هذا هو جوهر القضية، لا يمكن أن نطالب الجالية بإدخال أموالها عبر القنوات الرسمية، وفي الوقت نفسه نغض الطرف عن سوق صرف موازية أصبحت واقعاً اقتصادياً معروفاً.”

رحلة البحث عن بديل

مُنى مغتبرة جزائرية، تقطن في بلجيكا منذ سنة 1999، قرّرت هذه السنة شراء منزل في الجزائر، ورغم أنها تمكنت من ادخّار المبلغ المناسب، وإيجاد الشقة المناسبة، إلا أن تحويل أموالها إلى الجزائر سبّب لها مشكلة عويصة لم تجد لها حلا.

وقالت منى في حديثها مع منصة “أوراس”: “رغم تعبي طيلة هذه السنوات وعملي في الخارج، لم أجد الحل المناسب لتحويل أموالي إلى الجزائر”.

قبل أن تضيف: “الحل موجود لكنه سيُخسّرني مبلغا معتبراً”.

وشرحت لنا منى أنها فتحت حسابا بنكيا لدى بنك جزائري لأول مرة، وهناك سألت عماّ إذا كانت ستسحبه بالدينار أو اليورو، إلا أنها اصطدمت بواقع أنها لن تتمكن من سحب المبلغ إلا بالدينار الجزائري بسعر الصرف الرسمي، أي أنها لن تستفيد من حوالي مليون سنتيم لكل 100 يورو (الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي).

وذكرت محدثتنا أنها تواصلت مع متداولي العملة الصعبة عبر تطبيق “وايز”، إلا أن المبلغ كان كبيرا وغير متاح لدى أغلبهم.

ولدى سؤالنا عما إذا ستلجأ إلى القنوات الرسمية في حال تعذر عليها إيجاد أي حل يناسبها، أجابت: “أبداً، أفضل أن أتخلى عن فكرة شراء منزل في الجزائر على أن أفعل ذلك”.

قبل أن تضيف: “أصلا في حال حولت أموالي عبر البنوك الرسمية لن تكون حينها كافية لأقتني الشقة التي أردتها.

إصلاحات تفرض نفسها بإلحاح

قدم النائب السابق عن الجالية، عبد الوهاب يعقوبي، جملة من المقترحات التي من شأنها إصلاح المنظومة المالية في الجزائر، مشددا على أن الإصلاح المطلوب لا يجب أن يقتصر على حملة إعلامية لمطالبة الجالية بإرسال المزيد من الأموال.

وتشمل الإصلاحات التي اقترحها يعقوبي:

  • تقليص الفارق بين السعر الرسمي والسعر الحقيقي للعملة بشفافية.
  • توفير سوق صرف رسمي قادر على جذب العملة الصعبة بدلاً من دفعها نحو السوق الموازية.
  • تسهيل التحويلات البنكية وخفض تكلفتها وتسريعها.
  • منح الجزائري المقيم بالخارج ضمانات حقيقية للاستثمار، واستقراراً تشريعياً وإدارياً، وإمكانية واضحة لتحويل الأرباح.
  • إنشاء منتجات مالية مخصصة للجالية: حسابات بالعملة، وسندات أو أدوات ادخار واستثمار مضمونة وشفافة، وتمويل مشاريع منتجة.
  • معالجة السوق الموازية باعتبارها مشكلة اقتصادية ومالية ومؤسساتية، وليس فقط قضية أمنية أو جزائية.

وأضاف: “الجزائريون في الخارج يملكون مدخرات وكفاءات وشبكات مهنية واستثمارية ضخمة، والسؤال ليس هل يحبون الجزائر أم لا، فهذه ليست القضية، بل السؤال الحقيقي هو: متى ننجح في بناء نظام مالي واقتصادي يجعلهم يثقون في إيداع أموالهم واستثمارها داخل الجزائر؟”.

وهنا يشدد يعقوبي، على ضرورة مضاعفة مساهمة الجالية، بإعادة بناء الثقة في الدينار، وفي البنوك، وفي الاستثمار، وفي القواعد الاقتصادية نفسها.

واعتبر المتحدث أن السكوار (وفروعه في كل الولايات) ليس مجرد مكان، بل عرضٌ لخلل أعمق في منظومة الصرف، مشيرا إلى أن ببقاءه قائماً، ستظل الدولة عاجزة عن معرفة الحجم الحقيقي للعملة الصعبة التي تدخل الاقتصاد الجزائري، وستظل نسبة معتبرة منها خارج الدورة المالية الرسمية.

هل فشلت الحكومة في القضاء على السكوار؟

نصّ مخطط عمل الحكومة الذي طُرح سنة 2021، على ضرورة مكافحة السوق الموازية للعملة الصعبة، ومراجعة سياسة الصرف.

وأكد المخطط أن الحكومة ستعمل على استقطاب الكتلة النقدية المتداولة في القطاع الموازي، عن طريق استعادة ثقة المواطن في مؤسساته المالية والمصرفية، مع مواجهة استفحال القطاع غير الرسمي، عن طريق وضع آليات تسمح بتسخير كل موارد هذا القطاع وإدماجها ضمن القنوات المشروعة للاقتصاد، مع استرجاعها للأرصدة الموجودة في السوق الموازية وإدماجها ضمن القنوات الرسمية.

وصدر في العدد 69 من الجريدة الرسمية الصادر، النظام الذي وضعه بنك الجزائر والمتعلق بشروط الترخيص بتأسيس مكاتب الصرف واعتمادها ونشاطها في الجزائر.

إلا أن هذه المكاتب لم تر النور باستثناء تلك المتعلقة بمنحة السفر التي تم تنصيبها بالمطارات والموانئ والمعابر الحدودية.

وأكد وزير المالية الأسبق، لعزيز فايد، في سنة 2023، أن الإجراءات الهيكلية التي ستتخذها الحكومة من شأنها المساهمة في توحيد سعر صرف الدينار، عن طريق تقليص الفجوة بين السوق الرسمية والسوق السوداء.

في حين يشير الواقع إلى توسع الفجوة بين سعر الصرف في القنوات الرسمية والسوق الموازية (السكوار).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى