لم تكن حرب أبريل/نيسان 2023 في السودان مجرد كارثة طارئة أصابت اقتصادًا كان يعمل بشكل طبيعي، فتم تعطيله، بل تمثل استمرارا لعطب مزمن في هذا الاقتصاد، نتج عن تراكمات طويلة الأمد لبنية اقتصادية تعتمد على الريعية والاستخراج، وكذلك نمط حكم عسكري/تجاري متجذر منذ عقود في ظل نظام «الإنقاذ»، وصراع السيطرة على موارد الدولة بشكل أساسي، أكثر منه صراعاً على مشروع سياسي متمايز. فقد كان نظام الجبهة الإسلامية يوجه حوالي 80% من موازنة البلاد للقطاعات الأمنية، ابتداءً من القوات النظامية وصولاً إلى الميليشيات وأجهزة الأمن الموازية، على حساب التنمية والخدمات الأساسية، وهو نمط أنتج إمارتيّن اقتصاديتين وعسكريتين، هما الجيش والدعم السريع، كل منهما تطور تدريجيًا ليصبح كيانًا اقتصاديًا مستقلًا، يمتلك شركات ومناجم واستثمارات لا تابعة للدولة، بل موازية لها. فالحرب لم تكن سببًا في خلق هذا النمط، بل كشفت عن تناقضاته، عندما تصادمت الإمبراطوريتان على غنيمة واحدة، هي الدولة ذاتها.
تدهور مصادر العملة الصعبة وتأثير الذهب على تمويل الحرب
بعد انهيار مصادر العملة الصعبة الأخرى، وخاصة إثر انفصال الجنوب وفقدان 75% من عائدات النفط، تصاعد دور الذهب كمصدر رئيس لتمويل أطراف القتال. ورغم تراجع إنتاج السودان الرسمي من الذهب من 18 طنا إلى طن واحد خلال الأشهر الأولى من الحرب، فإن ذلك لا يدل على توقف الاستخراج، بل على انتقاله إلى قنوات موازية تصب في خزائن الجهات المتحاربة، وليس في خزينة الدولة. وهذه التحويلات تعني أن تجفيف مصادر تمويل الذهب، عبر مراقبة سلاسل التوريد الإقليمية والدولية، أصبح يمثل أحد أهم المفاتيح لكبح قدرة الأطراف على الاستمرار في الصراع، خاصة مع استمراره بلا أفاق سياسية واضحة.
التحول في ديناميكية الحرب الاقتصادية
أوضح خبراء الاقتصاد أن الديناميكية الاقتصادية لحرب السودان قد انقلبت تمامًا، إذ لم تعد الموارد تستخدم فقط لتمويل الصراع، بل أصبح الصراع ذاته وسيلة لنهب موارد جديدة، بما في ذلك المصارف، المصانع، المزارع، والأصول العقارية، بالإضافة إلى السيطرة على طرق التهريب والمعابر، وفرض الأتاوات على حركة السلع والبشر. هذه الديناميكية، التي تتشابه مع نماذج حروب ليبيا والكونغو، لا تقلل من أهمية الموارد في تمويل الحرب، بل ترفع سعر السلام؛ فكلما زادت قيمة الموارد التي يُقاتل عليها، زاد التكالب عليها.
التدخلات الإقليمية والدولية وأثرها على استمرار الحرب
لا يمكن فهم استمرارية الحرب دون النظر إلى شبكة المصالح الإقليمية والدولية المتشابكة مع النزاع، التي حولت الصراع الداخلي إلى ساحة تنافس جيوسياسي مفتوحة. تؤكد تقارير أممية موثقة أن هناك دورًا خارجيًا محورياً، إقليميًا ودوليًا، في تزويد الأطراف بالسلاح والمعدات، وتقديم التمويل والتدريب، عبر شبكات تمتد عبر تشاد وليبيا والصومال، وأفريقيا الوسطى، مع تسهيل تدفق السلاح مقابل الوصول إلى موارد الذهب.
عوامل تعقيد جهود التهدئة وما يميز الحرب عن الصراعات التقليدية
التحول في الديناميكية الاقتصادية، جنبًا إلى جنب مع شبكة المصالح المتشابكة، يفسر جزئيًا عجز كل محاولات التهدئة المتكررة، حيث لا يملك طرفا الصراع حافزًا اقتصاديًا كافيًا لوقف نزاع، أصبح مربحًا لشبكاتها التجارية والعسكرية، على الرغم من تدمير الدولة والمجتمع. كما أن الطبيعة الاقتصادية والجيوسياسية المعقدة تجعل من المستحيل حسم الصراع عبر جهود دبلوماسية تقليدية فقط، إنما يتطلب الأمر العمل على فكك جميع الحوافز الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تٌحفز الأطراف الأجنبية والمحلية على الانخراط بشكل مباشر.
أنماط الخسائر وتأثير الحرب على البلاد
تناولت التقارير الحديثة أن التكلفة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للحرب تقدر بين 100 و145 مليار دولار، مع توقف أكثر من 70% من النشاط الاقتصادي، وانكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى الانهيار المستمر للجنيه السوداني. وبالنسبة للتفاصيل، بلغ خسائر القطاع المصرفي حوالي 18.5 مليار دولار، والقطاع الصناعي 58 مليار دولار، وتعرض القطاع الزراعي لدمار واسع، شمل المشاريع الكبرى وموسم الحصاد وسلاسل الإمداد.
| القطاع | الخسائر بالمليارات (دولار) |
|---|---|
| المصرفي | 18.5 |
| الصناعي | 58 |
التكلفة الإنسانية والاجتماعية للحرب
أدى الصراع إلى ارتفاع معدلات الفقر لتصل إلى حوالي 71% من السكان، وخروج 75% من المرافق الصحية عن الخدمة، مع انقطاع التعليم عن أكثر من 19 مليون طفل، وتدمير مئات المدارس والجامعات، فضلاً عن تلويث أكبر أزمة لجوء ونزوح داخلي على مستوى العالم، ما يعكس تآكل مستقبل البلاد بشكل منهجي.
الفساد الاقتصادي والانتفاع الداخلي والخارجي
داخل دائرة الحرب، ظهرت طبقة من المستفيدين من كلا الطرفين، يسيطرون على الموارد والممرات التجارية، مثل تهريب الذهب، السلاح، الوقود، ويستفيد فاعلون إقليميون من استمرار عدم الاستقرار لتعزيز نفوذهم الاقتصادي والجيوسياسي عبر السيطرة على الموانئ والمعابر والموارد المعدنية. هذا التشابك المعقد للمصالح الداخلية والخارجية يجعل من عملية إنهاء الحرب مهمة أصعب كثيرًا، حيث يلزم تفكيك اقتصاد المصالح المتشابكة، وإعادة تنظيم وتوجيه السياسات الاقتصادية، ووقف تدفق التهريب ودعم الجهات المساندة بشكل ممنهج ومستمر.
ضرورة معالجة الجذور ووضع خطة للإعمار والاستقرار
أي جهد جاد لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار وبناء مسار تعافٍ اقتصادي شامل يجب أن يُدرك أن النزاع ليس مجرد صراع على السلطة السياسية، بل هو أيضًا، وربما قبل ذلك، صراع على موارد الدولة الريعية، مثل الذهب، الأراضي، الموانئ، والمعابر، بالإضافة إلى كونه ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية عبر وكلاء محليين. ستظل محاولات السلام عرضة للانهيار وإعادة إحياء الأزمة، إلا إذا عالجت جذور التشابك بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد الوطني، وخصوصًا تفكيك النمط الجيوش التجارية، والتوقف عن تدفق السلاح والتمويل الخارجي. إن العودة إلى نموذج اقتصادي سياسي منتج، شفاف، قابل للمساءلة، تُعد الشرط الأساسي والكفيل بكسر الحلقة المفرغة من الحروب والنزاعات المستمرة منذ فجر الاستقلال، وتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة في السودان.
