الذهب والدم السوداني
في تحليل حادثة قصف جبل العقيدات السوداني، يتضح أن ما جرى لم يكن مجرد حادث عابر أو لقطة مؤقتة، بل هو جريمة خلفتها ظروف ومعطيات تتجاوز الحدث المباشر، ويؤكد شهود معدّنين ناجين أن الغارات التي نفذها الطيران المصري استهدفت مواقع داخل الأراضي السودانية، وأن العاملين في المنطقة يواجهون خطر الموت، سواء داخل الآبار أو في الصحراء، فيما تظل سلطات بورتسودان تصف المجزرة بأنها “حادث” دون توضيح الجهة التي نفذتها أو هوية الضحايا، وهو الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات.
الجدل حول الحدود والجغرافيا
رواية مصر تقول إن الضربات استهدفت مجموعات سودانية تتجاوز الحدود، إلا أن البيانات الجغرافية المُتداولة تؤكد أن الموقع المستهدف يقع داخل الأراضي السودانية، وتحديداً عند إحداثيات 21.82 درجة شمالاً و34.11 درجة شرقاً، على بعد 0.18 درجة عن دائرة عرض 22 درجة التي تمثل الحد السابق بموجب اتفاقية 1899، والتي تتمسك بها مصر، ما يجعل الموقع داخل الحدود السودانية وفق المعايير الدولية والجغرافية. وجود الشركات العاملة في الموقع ووجود عمال سودانيين لا يمنحها سيادة عليه، وهذا يعمق من مسؤولية الجهات المعنية في حماية حقوق وممتلكات العاملين.
الاعترافات والمواقف الرسمية
أبرز المستثمرين المصريين في قطاع التعدين، مثل نجيب ساويرس، أدانوا بشكل صريح الغارات، معبرين عن شكرهم للجيش المصري على استجابته لطلبات شركات التعدين، وعلى فرض سلطة الدولة على المنطقة، مما يشير إلى أن التحرك العسكري جاء بتنسيق أو تطلب موافقة من الشركات الخاصة. بينما أصدر الجيش المصري بياناً تحدث فيه عن حملة لحماية الثروات الوطنية وتحقيق السيادة، بينما تظل الروايات الرسمية غير واضحة حول من أين خرجت التعليمات لشن الهجمات، وما إذا كانت هناك اتفاقات أو مصالح اقتصادية تستفيد من الوضع القائم.
موقف القوى والأحزاب السودانية
تفاعل الشارع السياسي السوداني والأطراف المدنية، مثل لجان المقاومة والقوى الموقعة على الميثاق الثوري، برفضٍ قاطع للاستهداف، ونددوا باستخدام القوة المصرية، معتبرين الأمر اعتداءً خطيراً يتطلب تحقيقاً مستقلاً لكشف ملابسه ومعرفة الجهة المنفذة، وربطوا الاعتداء بالصراع على السيطرة على مواقع التعدين، مطالبين بكشف الشبكات والشركات المستفيدة، واعتبروا أن الحفاظ على السيادة، وحماية حقوق العاملين، ووقف انتهاك الأراضي من المسائل التي لا تحتمل التسويف أو التهاون.
دعوات للتحقيق والمساءلة الدولية
حركة تحرير كوش السودانية أصرت على ضرورة توثيق كامل للهجمات، وادانت استهداف المعدنين، ودعت إلى تحقيق مستقل، وكشف الحقيقة أمام المجتمع الدولي، والضغط على السلطات المصرية لوقف تجاوزاتها، وحثت الأمم المتحدة ومجلس الأمن على إدراج الحادثة ضمن جدول أعمالهما، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لمتابعة التفاصيل، بالإضافة إلى منظمات حقوق الإنسان التي تدعو إلى توثيق الشهادات والأدلة قبل أن تفقدها الزمن، والعمل على فتح ملفات المساءلة والمحاسبة.
السياق الأوسع للانهيار السوداني
لا تنفصل الأحداث الحالية عن الأزمة الأوسع التي تعيشها السودان منذ أبريل 2023، حيث شهدت البلاد حرباً داخليةً أُشعلتها الحركة الإسلامية السودانية، التي تعتبر فرعاً مهمّاً لجماعة الإخوان المسلمين، بقيادة جيش مُسلح مهيمن على السلطة، والذي تدعمه شبكات مال ونفوذ، وواجهت هذه القوى مقاومة من الجيش المعارض، وأسفرت عن مآسي إنسانية كبيرة، بما في ذلك مئات الآلاف من القتلى، والنزوح والتشريد، وتدمير المدن، ونهب الموارد، واستهداف التعدين المسمى بـ”السوداني”، على يد قوات معادية معتدية.
دعوة المجتمع الدولي للتحرك
يشدد المحتجون والمنظمات الحقوقية على ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي، عبر خطوات متعددة، تشمل:
- إلزام الأمم المتحدة ومجلس الأمن بإجراء تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات ويكشف الحقيقة.
- توثيق شهادات الناجين والأسماء، وحفظ الأدلة قبل أن تتلاشى مع مرور الزمن.
- فتح ملفات العدوان على السودان أمام المحاكم الدولية، والعمل على محاسبة مرتكبيه، وجبر أضرار الضحايا.
- التأكيد على ضرورة حماية المدنيين، وضمان احترام سيادة البلاد من قبل جميع الأطراف، الداخلية والخارجية، وملاحقة الشركات والمستفيدين من ذهب الحرب، الذي قد يتحول إلى وقود لصراع جديد.
ختام النداء وتحليل المسؤولية
هذه القضية ليست مجرد حادث أليم لعمال معدنين فقدوا أرواحهم، بل تُعد اختباراً لمدى احترام المجتمع الدولي لدماء السودانيين، وما إذا كانت تُمثّل قيمة في موازنات النفوذ والراسمال. تبرز مسؤولية عميقة على قيادات الجيش السوداني، خاصة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يُحتمل أن يكون قد أذن بالعملية أو تواطأ معها، وفي حال عجزه عن المنع، فقد خضع للمسؤولية، وإذا تغاضى عنها، فهو شريك في التغطية على الجريمة. مع ذلك، فإن التصريحات الرسمية التي تصف المجزرة بـ”الحادث”، وتكتفي بالتجاهل عن المعتدي، تعمّق الغموض وتساهم في تبرئة الجناة، وتُعد بمثابة تغطية على الحقيقة وتجاهل للعدالة، وهو موقف مرفوض تماماً.
ختاماً
تؤكد الوقائع والتصريحات أن المطلوب اليوم هو تحقيق مستقل وشفاف، يفضي إلى معرفة الحقيقة كاملة، بأمر من الجهات ذات الاختصاص، ويُقدم الجناة للعدالة، ويُحاكم كل من ارتكب تجاوزات، وتُحفظ حقوق الضحايا؛ فالحقيقة والعدالة هي أساس السيادة، وبدونها، تظل أية ادعاءات محقة عرضة للشك، وتبقى الأراضي السودانية عرضة للمزيد من الانتهاكات، فيما يُهدد مستقبل الشعب ومصادر ثرواته. ندعو المجتمع الدولي للتحرك، وكلنا أمل أن يُفضي هذا إلى تعهدات حقيقية بحماية السودان وأبنائه.
[email protected]
أكتوبر 2026
