لم يعد السؤال حول الوسيلة المثلى لحماية الثروة يقتصر على الذهب والدولار والعقارات، إذ أصبحت عملة البيتكوين جزءًا من المعادلة، مقدمًا نفسه كأصل رقمي محدود المعروض، غير مركزي، يمكن نقله عبر الحدود من دون الحاجة إلى مصرف أو وسيط. وبينما يراها المؤيدون وسيلة للحفاظ على القيمة على المدى الطويل، تظل تقلباتها الحادة تثير تساؤلات بشأن قدرتها على أداء دور “الملاذ الآمن”.
أهمية بيتكوين في لبنان وسط الأزمة الاقتصادية
وفي لبنان، حيث ترك انهيار الليرة والأزمة المصرفية آثارًا عميقة على مدخرات المواطنين، تكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر، فهل تمثل بيتكوين فرصة جديدة لحماية الثروة، أم أن مخاطرها تجعل الذهب والدولار النقدي أكثر ملاءمة؟ وهل يمكن للعملة الرقمية مجاراة الذهب الذي يحتفظ بمكانته كمخزن للقيمة منذ آلاف السنين؟ إذ ترتبط الإجابة بمدى استعداد المستثمر لتحمّل المخاطر والأفق الزمني لاستثماره.
الندرة ودور محدود المعروض في قوة بيتكوين
وفي هذا السياق، يقول سعيد نصّار، أستاذ تقنية البلوك تشين وبيتكوين في جامعة القديس يوسف، ومؤسس منصة «MoneyTalks» للتثقيف المالي: “نعم، بالتأكيد، تُعتبر بيتكوين الآن وسيلة فعالة للحفاظ على القيمة، بشرط النظر إليها على المدى الطويل”.
ويضيف نصّار أن بيتكوين لا تزال تتسم بتقلبات على المدى القصير، لكن من يحتفظ بها لسنوات، حافظ على قيمة ثروته وزادها، معتبرًا أن التقلّبات تمثل ثمنًا يدفعه من يدخل السوق مبكرًا، وتتراجع مع نضوجه. ويعزو ذلك بشكل رئيسي إلى الندرة، إذ لا يمكن أن يتجاوز إجمالي وحداتها 21 مليون وحدة، وفقًا للقواعد المبرمجة في الشبكة، وليس بناءً على قرار مصرف مركزي، مما يميزها عن العملات التقليدية التي تُطبع بلا حدود.
| مؤشر | بيتكوين | الذهب |
|---|---|---|
| عدد الوحدات الكلي | 21 مليون وحدة | غير محدود، يعتمد على الاكتشاف والاحتياطات |
| معدل التضخم السنوي | نحو 1.5 – 2% |
ويشير نصّار إلى أن معدل التضخم السنوي في بيتكوين أقل من 1%، مقابل 1.5% إلى 2% للذهب، كما يلفت إلى سهولة نقلها عبر الإنترنت إلى مختلف أنحاء العالم خلال دقائق، مقارنة بالذهب الذي يتطلب عمليات نقل وتأمين وفحص عياره.
وبحسب قوله، تمنح هذه الخصائص صاحبها حرية مالية حقيقية، إذ لا يستطيع أحد تجميدها أو منعه من نقلها.
الذهب مقابل بيتكوين.. من يتربّع على لقب “الملاذ الآمن”؟
وعلى الرغم من المزايا التي يراها في بيتكوين، لا يعتقد نصّار أن العملة الرقمية ستصبح بديلًا كاملًا للذهب، وإنما يراها مكملة له، حيث يستند الذهب إلى تاريخ طويل من الثقة يمتد لآلاف السنين، بينما انطلقت بيتكوين بداية من عام 2009، وما زال حجم سوقها أصغر كثيرًا. ومع ذلك، يلاحظ أن حصتها تتزايد، خاصة مع اهتمام البنوك المركزية تدريجيًا، مثل البنك المركزي التشيكي الذي اشترى بيتكوين ضمن محفظة تجريبية عام 2025. ويعتقد أن لديها فرصة حقيقية لتتفوق على الذهب في الاستثمارات، لأنها تتحسن وتصبح أكثر نضجًا مع مرور الوقت.
ولا تقتصر المقارنة على الذهب، إذ يذكر نصّار أن العقارات أيضًا تعتبر خيارًا، لكنه يفضل البيتكوين على المدى الطويل، رغم حُبه للذهب واعتباره أصلًا آمنًا، لأنها أسهل تداولًا وتسييلًا، وتُتداول على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، ومن أي مكان.
أما عن العقارات، فهو يرى أنها ليست مضمونًا للحفاظ على القيمة دائمًا، إذ يستغرق بيعها وقتًا، ولا يمكن نقلها بسهولة، ولكنها تظل خيارًا جيدًا للادخار لمن لا يمتلك خبرة مالية. ويضيف أن كل من بيتكوين والذهب يمنحان صاحبهما سيطرة مالية، لكن الاختلاف هو أن بيتكوين تنتقل عبر الإنترنت إلى أي مكان في العالم خلال دقائق.
الخيار بين الدولار وبيتكوين.. الأمان وفقًا للأفق الزمني
ويفصل نصّار بين دور الدولار في أوقات الأزمات الاقتصادية، ودور بيتكوين على المدى الطويل، حيث يعتبر أن الدولار أكثر أمانًا في المدى القصير خلال حالات الطوارئ، لكونه مصدر السيولة الأهم في الأسواق العالمية، كما ظهر في أزمة مارس 2020. فيما يذكر أن الدولار فقد أكثر من 95% من قوته الشرائية منذ عام 1913، معتبرًا أن التجربة اللبنانية توضح مخاطر الاحتفاظ بالمدخرات داخل النظام المصرفي.
وفي هذا الإطار، يقول نصّار: «الدولار آمن عندما يكون في يدك، وليس في المصرف»، في إشارة إلى أزمة ودائع لبنان التي حالت دون وصول المودعين إلى أموالهم. ويؤكد أن المقارنة بين الدولار وبيتكوين تتضمن اختلاف المخاطر، حيث أن الاحتفاظ بالنقد يعرض للخطر، والاستثمار بأصل متقلب يحمل مخاطر، والاعتماد على المؤسسات المالية يعرض الأموال لمخاطر إضافية.
مخاطر تقلبات الأسعار والحذر في التعامل مع بيتكوين
ورغم تفاؤله بمستقبل بيتكوين، يحذر نصّار من أن الاحتفاظ بها دون معرفة كافية بطبيعتها ومخاطرها قد يعرض المستثمرين لخسائر كبيرة، وضرورة الإمعان في البحث والتعلم أو الاستعانة بخبراء. ويؤكد أن اللامركزية في بيتكوين تعني أن من يترك مفاتيحه لدى منصة عرضة للمخاطر ذاتها التي تنزعها، ويفضل استخدام عنوان واحد فقط للحفاظ على الخصوصية واستباق ظهور الحوسبة الكمّية القوية التي قد تؤثر على سعر العملة.
ويخشى أن تؤدي التغيرات في تكنولوجيا الحوسبة إلى تأثيرات على سعر البيتكوين، مع احتمال أن يتطلب التعافي وقتًا، ولكن يصف ثقته في قدرة الشبكة على التعامل مع هذه التحديات. وإذا فقدت الثقة في البيتكوين أو فرضت عليها قيود حكومية، يتوقع نصّار أن ينخفض سعرها وسيولتها، لكنه يؤكد أن الشبكة ستظل تعمل لأنها لا مركزية، مشبهًا الأمر بحظر الصين للتعدين عام 2021، الذي لم يوقف الشبكة بل أعادها إلى العمل خلال أشهر. ويؤكد أن التشدد الحكومي غالبًا ما يطال المنصات والبنوك، وليس بروتوكولات البيتكوين نفسها، وأن الثقة تبقى أساسًا لأي أصل نقدي، سواء كان الذهب أو الدولار أو البيتكوين.
هل تستطيع بيتكوين الصمود أمام الأزمات المالية العالمية؟
ويرى نصّار أن بيتكوين تحافظ على قيمتها خلال الأزمات الاقتصادية، لكن هذا لا يحدث من البداية، إذ يبدأ المستثمرون عادةً ببيع الأصول عالية المخاطر والأسهم، حينها يُعامل بيتكوين كمثلها من الأصول عالية المخاطر، لكنه سرعان ما يعاود التعافي. ويوضح أنه خلال أزمة مارس 2020 فقدت بيتكوين نصف قيمتها خلال يومين، مع موجة البيع العالمية، لكنها عادت وحققت أرباحًا كبيرة مع طباعة النقود بكميات قياسية من قبل المصارف المركزية. كذلك، شهد عام 2023 ارتفاع سعر البيتكوين بعد الانهيارات المصرفية في الولايات المتحدة، مثل انهيار بنك “سيليكون فالي” (SVB). ويختصر النصّار أن بيتكوين “تُباع وتُشترى أول ما يتغير السوق”، ما يعكس ديناميكيتها وقابليتها للتعافي.
ويذكر أن تجارب الأزمات السابقة لا تضمن تكرار السيناريو نفسه، إذ تؤثر عوامل متعددة على حركة السعر، منها السيولة، ثقة المستثمرين، والسياسات النقدية.
بيتكوين بعد انهيار الليرة.. ماذا تعني للمواطن اللبناني؟
وفي لبنان، يكتسب موضوع الحفاظ على الثروة أهمية خاصة، خاصة بعد انهيار الليرة والأزمة المصرفية التي ألحقت خسائر واسعة في المدخرات، مع تقييد الوصول إلى الودائع. ويؤكد نصّار أن هذه الظروف دفعت اللبنانيين لإعادة التفكير في كيفية حماية أموالهم، معتبرًا أن احتفاظ البعض بالذهب أو الدولار النقدي ساعدهم على تجنب القيود التي فرضت على أصحاب الودائع المصرفية. ويشير إلى أن بيتكوين يمكن أن تقدم خيارًا بديلًا، إذ يمكن الاحتفاظ بها مستقلًا عن النظام المصرفي، ونقلها بسهولة عبر الحدود، بشرط فهم المستخدم لطريقة حماية مفاتيحه الخاصة وتأمينها. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة للأشخاص الذين يضطرون للانتقال بين البلدان أو يرغبون في الاحتفاظ بأصولهم بعيدًا عن طرف ثالث.
لكن نصّار يحذر من أن تقلبات سعر بيتكوين قد تشكل خطرًا على الأسر التي تعتمد على مدخراتها لتلبية أساسيات الحياة، مثل الأقساط المدرسية والمصاريف اليومية. ويؤكد أن الذهب والدولار النقدي يظلّان أكثر ملاءمة لتلبية الاحتياجات الفورية والطوارئ، بينما يُعتبر البيتكوين خيارًا للاستثمار طويل الأمد، بشرط فهم المخاطر واتقان عملية الأمان.
مقارنة بين الأصول: مخاطر وخصائص
تُظهر المقارنة بين بيتكوين، الذهب، الدولار، والعقارات أن لكل منها خصائص فريدة، ومخاطر متنوعة، فالذهب يتمتع بتاريخ طويل كمخزن للقيمة، أما الدولار فيوفر سيولة عالية، والعقارات تشكل أصلًا ماديًا، بينما تتميز بيتكوين بكونها محدودة المعروض وسهلة النقل، إلا أنها تتسم بتقلبات سعرية عالية، ومخاطر تقنية وتنظيمية.
وبناءً على ذلك، لا يبدو أن هناك أصلًا وحيدًا يضمن حماية الثروة في جميع الظروف، ويعتمد الاختيار في النهاية على أهداف المستثمر، والمدة التي يمكنه خلالها الاحتفاظ بأمواله، واحتياجاته من السيولة، ومدى قدرته على تحمّل الخسائر المحتملة.
