ثورة عمرانية تنهي حقبة المراقد في مدينة سطيف
شهدت ولاية سطيف، خلال السنوات القليلة الأخيرة، تحولاً جذرياً في مشهدها العمراني، حيث لم يتوقف الأمر عند تشييد الكتل الخرسانية، بل امتد ليشمل تغييراً عميقاً في نمط حياة آلاف العائلات، وذلك بفضل استراتيجية تنموية حديثة قطعت مع ممارسات الماضي التي أنتجت أحياءً تفتقر لأدنى مقومات الحياة وتوصف بـ “المراقد”، لتفسح المجال أمام أقطاب حضرية مدمجة تتوفر على كافة المرافق الضرورية.
إنهاء معاناة الأحياء الهشة وتأسيس أقطاب عصرية
مثلت الأحياء العشوائية، وفي مقدمتها حي “شوف لكداد” العتيق، تحدياً عمرانياً كبيراً في قلب عاصمة الهضاب العليا، حيث تمدد هذا الحي لعقود على مساحة 75 هكتاراً، قبل أن يبدأ بالتلاشي تدريجياً عبر ترحيل أكثر من 1370 عائلة نحو شقق حديثة في مناطق التوسع العمراني، خاصة في منطقة عبيد علي وبلدية أولاد صابر، وفي هذا السياق، برز حي عبيد علي “ديرو” كقطب حضري رائد، خُصصت له ميزانيات ضخمة لضمان توفير بيئة سكنية كريمة مدعومة بشبكات الغاز والكهرباء والمياه، مع تهيئة شاملة للطرقات والمؤسسات التربوية والصحية.
| المشروع / المنطقة | التكلفة أو المساحة | عدد الوحدات السكنية / التفاصيل |
|---|---|---|
| حي عبيد علي “ديرو” | 124 مليار سنتيم (إجمالي) | 5000 وحدة سكنية ترقوية مدعمة |
| قطب تينار (أولاد صابر) | 490 هكتاراً | 6700 (عدل) + 1500 (عدل 2) + 1000 (كتاب إيمو) |
| إعادة تهيئة وسط المدينة | 42 مليار سنتيم | تجديد شبكات التطهير والكهرباء والغاز |
| قطب شوف لكداد الجديد | 730 هكتاراً | 40 ألف وحدة سكنية (لسعة 200 ألف نسمة) |
توسيع النطاق العمراني في بلدية أولاد صابر
اعتمدت بلدية أولاد صابر مخططاً توجيهياً للتهيئة والتعمير يمتد على 490 هكتاراً، بهدف تعزيز النمو الحضري وجعل المنطقة حلقة وصل استراتيجية بين شمال وجنوب الولاية، حيث يتجلى ذلك في القطب الحضري “تينار” الذي يضم آلاف الوحدات السكنية بمختلف الصيغ، بالإضافة إلى توفير ثانويات ومدارس متوسطة وابتدائية، مع خطط طموحة لتوسعة شبكة الترامواي وتطوير المرافق الصحية، وهو ما حول عملية الترحيل من مجرد نقل مكاني إلى ولادة جديدة لعائلات ودعت حياة الضيق لتستقر في سكنات لائقة، مما سمح للدولة باسترجاع أوعية عقارية شاسعة وتوجيهها نحو مشاريع اقتصادية وإدارية واعدة.
سياسات اجتماعية تضمن الكرامة والعدالة السكنية
لم تكن الطفرة العمرانية في سطيف مجرد سباق مع الزمن في البناء، بل كانت ترجمة لسياسة اجتماعية متكاملة تهدف لحفظ كرامة المواطن، حيث تحولت الولاية إلى ورشة عمل مفتوحة شهدت توزيع أكثر من 5 آلاف وحدة سكنية بمختلف الصيغ، شملت:
- السكن العمومي الإيجاري.
- إعانات السكن الريفي.
- السكن الترقوي المدعم.
- السكن الترقوي الحر.
القضاء على السكنات الهشة في “المحتشد” وبازر سكرة
في إطار تنفيذ تعليمات الوزارة الوصية، وضعت سلطات الولاية ملف القضاء على السكنات الهشة على رأس أولوياتها، وهو ما تجسد في حي “المحتشد” ببلدية بازر سكرة، حيث تم ترحيل أكثر من 200 عائلة كانت تعيش ظروفاً قاسية لعقود، ونقلهم إلى سكنات عصرية تتوفر على كافة الشبكات الحيوية من مياه وكهرباء وصرف صحي، مما ساهم في محو المظاهر العشوائية التي كانت تشوه النسيج العمراني، وتحويل تلك المناطق إلى فضاءات تنموية تخدم المصلحة العامة.
التخطيط الاستباقي لمستقبل السكن عبر “عدل 3”
تنتقل الولاية الآن إلى مرحلة الحسم في ملفات كبرى، وعلى رأسها برنامج “عدل 3″، حيث تخضع منطقة التوسع بشوف لكداد لمعاينات تقنية وإدارية دقيقة، بتوجيهات صارمة من والي الولاية لتطهير الأوعية العقارية وتسوية وضعيتها القانونية بالتنسيق مع مديرية أملاك الدولة، لضمان انطلاق الأشغال دون عقبات وتسليم المشاريع في آجالها المحددة، مما يؤكد قدرة الولاية على المزاوجة بين معالجة إرث السكن الهش واستباق الاحتياجات الديموغرافية المستقبلية.
مفهوم المدينة الذكية والمتكاملة في “شوف لكداد”
انتقلت سطيف من فلسفة بناء “مجمعات سكنية معزولة” إلى فلسفة “الحي المتكامل”، ويظهر ذلك جلياً في القطب الحضري الجديد بشوف لكداد الذي يمتد على مساحة تتجاوز 730 هكتاراً، حيث صُمم ليكون مدينة ذكية تستوعب 200 ألف نسمة، ولا يقتصر المشروع على 40 ألف وحدة سكنية، بل يضم مؤسسات تربوية ومرافق أمنية وفروعاً إدارية، مع التركيز على الجوانب البيئية والجمالية من خلال إدراج المساحات الخضراء وملاعب الأطفال، ليتحول السكن من مجرد مأوى إلى فضاء حضري يوفر كافة خدمات الحياة اليومية.
عصرنة قلب المدينة وتطوير البنية التحتية
شمل التغيير مركز مدينة سطيف عبر عمليات واسعة لإعادة الاعتبار لوسط المدينة بميزانية تجاوزت 42 مليار سنتيم، حيث تم تجديد شبكات التطهير والكهرباء والغاز والألياف البصرية، مع اعتماد مقاربة تقنية صارمة تلزم المقاولين بإنهاء كافة أشغال الربط تحت الأرض قبل البدء في تعبيد الطرقات، وذلك لحماية المال العام ومنع عمليات “الترقيع” المتكررة التي تشوه الشوارع، مما يهدف إلى المزاوجة بين عصرنة المرفق العام والحفاظ على الهوية التاريخية للمدينة.
رقابة صارمة لضمان جودة التنفيذ والآجال
تفرض السلطات المحلية رقابة مشددة على المرقين العقاريين لضمان جودة الإنجاز، حيث تم تفعيل إجراءات ردعية ضد المتخاذلين، بينما تم تقديم تسهيلات للملتزمين منهم، خاصة في القطب الحضري شوف لكداد، كما تم إعادة بعث مشاريع التجزئات العقارية المتعثرة عبر تسليم رخص البناء لـ 76 مرقياً استوفوا الشروط القانونية، وهو ما سيوفر 4 آلاف مسكن إضافي ضمن مخططات عصرية، مع التأكيد على أن الأولوية هي تسليم أحياء مكتملة الخدمات في وقت واحد، لضمان انتقال المواطن من دائرة المعاناة إلى بيئة آمنة ومنظمة تعزز الاستقرار الاجتماعي.
