تواصل مصر تعزيز منظومتها الرقابية لمواجهة المنتجات المزيفة والسلع غير المطابقة للمواصفات، في إطار استراتيجية وطنية تستهدف حماية صحة المواطنين ودعم الاقتصاد الوطني والحفاظ على نزاهة الأسواق وسلاسل الإمداد، وذلك بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الغش التجاري، الذي يوافق العاشر من يونيو من كل عام.
وتأتي هذه الجهود في وقت تشير فيه تقارير دولية حديثة صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الغش التجاري والمنتجات المقلدة باتا يمثلان تحديًا عالميًا متصاعدًا، لا يقتصر تأثيره على الخسائر الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشكل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة وسلامة المستهلكين، خاصة في القطاعات الحيوية وعلى رأسها الدواء والغذاء والمستلزمات الطبية.
ويُعد الغش التجاري ظاهرة معقدة ومتطورة تستهدف العديد من القطاعات، من السلع الفاخرة والإلكترونيات وقطع غيار السيارات إلى المنتجات الغذائية والدوائية، حيث تتسبب المنتجات المزيفة في إضعاف ثقة المستهلكين وإلحاق أضرار جسيمة بالشركات المنتجة للسلع الأصلية، فضلًا عن تأثيرها السلبي على حركة التجارة والاستثمار.
وتؤكد أحدث الدراسات الطبية العالمية أن الأدوية المغشوشة أو دون المستوى المطلوب تمثل أحد أخطر أشكال الغش التجاري، إذ قد تحتوي على جرعات غير دقيقة أو مواد غير فعالة أو مكونات ضارة، ما يؤدي إلى فشل العلاج أو تفاقم الأمراض أو ظهور مضاعفات صحية قد تهدد حياة المرضى.
وفي هذا السياق، حذرت تقارير حديثة من تنامي مخاطر شراء الأدوية عبر مواقع إلكترونية غير مرخصة أو منصات بيع مجهولة المصدر، حيث يصعب التحقق من جودة المنتجات أو سلامتها، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تشديد الرقابة الرقمية وتطوير أنظمة التتبع الإلكتروني للمنتجات الدوائية.
كما تمثل التجارة الموازية تحديًا إضافيًا أمام الجهات الرقابية، إذ يتم تداول منتجات أصلية خارج قنوات التوزيع الرسمية، بما يعرضها لظروف نقل أو تخزين غير مطابقة للاشتراطات المعتمدة، وهو ما قد يؤثر على فعاليتها العلاجية وسلامتها.
هيئة الدواء المصرية في مقدمة خط الدفاع
وخلال السنوات الأخيرة، عززت هيئة الدواء المصرية جهودها في مكافحة الغش الدوائي، عبر تطوير منظومة الرقابة والتفتيش على المصانع والمخازن وسلاسل التوزيع، وتطبيق أحدث النظم الرقمية الخاصة بالتتبع والتكويد الدوائي، بما يضمن إمكانية التحقق من مصدر المستحضرات الدوائية ومراحل تداولها.
كما تواصل الهيئة تنفيذ حملات تفتيشية موسعة بالتنسيق مع الجهات الرقابية والأمنية المختلفة لضبط الأدوية المهربة أو المغشوشة، إلى جانب رفع الوعي لدى الصيادلة ومقدمي الرعاية الصحية والجمهور حول مخاطر تداول المنتجات غير المعتمدة وطرق التحقق من أصالتها.
وتواكب هذه الجهود التوجهات العالمية الحديثة التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة وأنظمة التتبع المتقدمة للكشف المبكر عن المنتجات المزيفة وتعقب مصادرها عبر سلاسل الإمداد.
وتتبنى الدولة المصرية نهجا متكاملا في مواجهة الغش التجاري من خلال التنسيق المستمر بين هيئة الدواء المصرية، ومصلحة الجمارك، ووزارة الداخلية، وجهاز حماية المستهلك، والجهات الرقابية المختلفة، إضافة إلى التعاون مع الشركات العالمية والمحلية العاملة في قطاع الدواء والصناعات المختلفة.
ولا تقتصر مواجهة الغش التجاري على المؤسسات الحكومية فقط، بل تمتد لتشمل القطاع الخاص وشركات الأدوية التي تستثمر بصورة متزايدة في تقنيات الحماية والتتبع، مثل الأكواد الذكية، التعبئة المتطورة، وأنظمة التحقق الإلكتروني من أصالة المنتجات.
وتعمل الشركات الدوائية كذلك على تعزيز برامج التوعية للصيادلة والمرضى، بما يساعد على الحد من تداول المنتجات مجهولة المصدر وترسيخ ثقافة الشراء من القنوات المعتمدة فقط.
ويؤكد اليوم العالمي لمكافحة الغش التجاري أن التصدي لهذه الظاهرة أصبح مسؤولية جماعية تتطلب تكاتف الحكومات والقطاع الخاص والجهات الرقابية والمستهلكين على حد سواء، خاصة مع تطور أساليب التزوير واستغلال بعض الشبكات الإجرامية للتكنولوجيا الحديثة والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود.
وتعكس الجهود المصرية المتواصلة في هذا الملف رؤية واضحة تستهدف تعزيز الرقابة على الأسواق، ودعم الصناعة الوطنية، وحماية صحة المواطنين، وضمان حصولهم على منتجات آمنة وعالية الجودة، بما يعزز الثقة في السوق المصرية ويدعم مسيرة التنمية الاقتصادية المستدامة.
وفي ظل التوسع المستمر في استخدام الحلول الرقمية وتطبيقات التتبع الذكية التي تتبناها هيئة الدواء المصرية والجهات المعنية، تمضي مصر بخطوات متسارعة نحو بناء منظومة أكثر كفاءة وشفافية لمواجهة الغش التجاري، بما يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية ويعزز مكانة الدولة كمركز إقليمي رائد في الرقابة الدوائية وحماية المستهلك.
















0 تعليق