في حضرة الفن، لا بدّ أن نخلع القبعة احترامًا لرجلٍ لم يكن ممثلًا عابرًا، بل كان نبعًا صادقًا للضحك والدمع معًا. حسن حسني، ذاك الاسم الذي لم يغب عن شاشةٍ ولا ذاكرة، هو واحد من أولئك الاستثناءات الذين لا تجود بمثلهم السينما مرتين.
وُلد في حي القلعة العريق بالقاهرة، ذلك الحي الشعبي الذي احتضن تفاصيل نشأته وضحكاته الأولى. وعبر رحلةٍ فنية امتدت لعقود، ترك في وجدان الجمهور أثرًا لا يُمحى، ملأ خلالها الأرواح بخفة ظله، وصدق مشاعره، وأدائه العفوي الذي يلامس جوهر الإنسان البسيط.
ومن بداياته في المسرح العسكري وصولًا إلى السينما والتلفزيون، صعد حسن حسني السلم درجةً درجةً؛ لم يقفز فوق المراحل، ولم يلهث وراء شهرةٍ سريعة. كان يدرك باكرًا أن البقاء للأصلب، ولمن يؤمن أن الضحكة رسالة إنسانية لا تقل قداسةً عن الدمعة.
كم مرة ضحكنا معه حتى بكينا، وكم مرة أبكانا ونحن نراه يتألم على الشاشة، دون أن ينطق بحرف؟
في "سواق الأتوبيس"، كان وجعه شريفًا ممتزجًا بالخجل الكبرياء. وفي "اللمبي"، تجسّد أبًا بوجهٍ غاضب وقلبٍ مفعم بالحنون. وفي "الناظر"، و*"الباشا تلميذ"، و"زكي شان"*، وفي عشرات الأعمال الأخرى، كان يترك روحه قبل حضوره، ويجعل من كل ظهورٍ خاطف له بصمةً لا يمكن تجاوزها أو نسيانها.
ما يميّز حسن حسني لم يكن مجرد غزارة وتعدد أدواره، بل عمقها الشديد. لم يكن «كومبارسًا فاخرًا» كما حاول البعض تصنيفه ذات يوم، بل كان حجر الأساس والركيزة التي تستند إليها بطولة الآخرين. ذلك الممثل الملهم الذي يُضحك الممثل الشاب أمامه قبل أن يُضحك الجمهور، ويُربك المخرج بجمال تلقائيته وارتجاله الذكي.
في المسرح، كان يُشعل الخشبة بعفويةٍ خالية من التكلّف والابتذال. وفي التلفزيون، كان حضوره بمثابة دفءٍ عائلي يتسلل بسلاسة إلى كل بيت. لم يكن يسعى إلى تصدّر الأفيش بقدر ما كان يسعى إلى أن يكون القلب النابض للمشهد.
وجاء تكريمه بـ "جائزة فاتن حمامة التقديرية" من مهرجان القاهرة السينمائي اعترافًا مستحقًا بمكانته الفنية السامقة، وتتويجًا لمسيرةٍ طويلةٍ أثبت خلالها أن الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى صخبٍ لتترك أثرها الخالد.
كان يُضحكنا بملامح وقورة، ويُبكينا بقلبٍ يفيض طيبة. كانت توليفته الإنسانية نادرة لا يتقنها إلا من عجنته الحياة وعركته التجارب؛ رجل عرف الفقد والحرمان مثلما عرف النجاح والشهرة، لكنه بقي يشبه نفسه… ويُشبهنا في كل تفاصيلنا.
هناك فنانون تنتهي صلاحية أعمالهم بانتهاء العرض، وهناك من يولدون من جديد كلما مرّ الزمن ليصبحوا رفقاء دائمين للذاكرة. وحسن حسني كان من هؤلاء القلائل الذين منحوا الناس والجمهور شيئًا من حشاشة أرواحهم، فبقي أثرهم غضًا حيًّا في الوجدان… وبقينا نحن، حتى بعد رحيله، لم نُفلت يده بعد.
حسن حسني.. رحلة ساحر الارتجال وصانع بهجة القلوب - أقرأ 24
حسن حسني.. رحلة ساحر الارتجال وصانع بهجة القلوب - أقرأ 24
















0 تعليق