علاقة المسلم بزملاء العمل وأثرها في بناء الإنسان والمجتع - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يمضي الإنسان في دروب الحياة باحثًا عن رزقه كما يمضي الطائر في فضاءات السماء باحثًا عن موضعٍ يأوي إليه وجناحٍ يطمئن به قلبه، وما من إنسانٍ إلا ويحمل إلى مكان عمله شيئًا من روحه وطباعه وأحلامه وآلامه، فتتشابك الأرواح كما تتشابك الأغصان في بستانٍ واحد، ويصبح الزملاء مرآةً ينعكس فيها خُلق الإنسان وسريرته، حتى لكأن بيئة العمل وطنٌ صغير تُصاغ فيه النفوس وتُختبر فيه الأخلاق وتظهر فيه معادن الرجال
وقد أراد الإسلام للمسلم أن يكون نورًا حيثما حلّ، وأن يكون حضوره رحمةً لا أذى، وسكينةً لا اضطراب، ومودةً لا خصام، لأن الدين في جوهره بناءٌ للإنسان قبل أن يكون ألفاظًا تُقال أو شعائر تُؤدى، ولذلك جعل الله تعالى الكلمة الطيبة بابًا من أبواب الإيمان فقال سبحانه ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فجاءت الآية كأنها نهرٌ رقراق يجري في قلب العلاقات الإنسانية ليطهّرها من القسوة والجفاء والغلظة، لأن الكلمة إذا خرجت من قلبٍ رحيمٍ كانت بلسمًا يحيي النفوس المتعبة ويجمع القلوب المتنافرة
وليس أعظم أثرًا في النفس من الرفقة التي تطول ملازمتها، وزملاء العمل من أشد الناس تأثيرًا في تكوين الإنسان، إذ يقاسمونه ساعات يومه وتفاصيل حياته وأعباءه الصغيرة والكبيرة، فيأخذ من طباعهم كما تأخذ الأرض من ماء السماء، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» لأن الأرواح تسرق من بعضها الخصال كما تسرق النار من الحطب وهجه ولهيبه، فمن عاش بين أهل الصدق رقّ طبعه واستقام لسانه ونبُل سلوكه، ومن جاور أهل السوء علقت بقلبه ظلمات الحسد والغيبة والأنانية
ولهذا شبّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجليس الصالح بحامل المسك، فما يزال المرء يقتبس من عطره حتى يفوح الطيب من ثيابه وروحه، وشبّه جليس السوء بنافخ الكير لأنه يحرق صفاء القلب كما تحرق النار الحديد، وما أكثر ما تغيّرت نفوسٌ كانت نقية ثم أفسدتها بيئات القسوة والتنافس المريض حتى صار الإنسان يرى نجاح زميله خسارةً له وفرحه نقصًا من نصيبه، مع أن الإسلام يريد للناس أن يكونوا كالبنيان يشد بعضه بعضًا وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى
وما أجمل ما رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب حين قال «خالطوا الناس مخالطةً إن متم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنّوا إليكم» فهي كلمات لو وعاها الناس لتحولت أماكن العمل إلى حدائق للمودة والرحمة، لأن الإنسان لا يُخلّد في القلوب بمنصبه ولا بماله وإنما بأثره الطيب ولطفه وإحسانه، ولقد صدق الإمام حين قال «أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم» فالقلوب لا تُفتح بالمخاشنة ولا تُملك بالتكبر وإنما يفتحها التواضع كما يفتح المطر أبواب الأرض اليابسة
وإذا كانت النفوس تتعب من عناء الأيام فإنها تأنس بالوجه البشوش والكلمة اللينة والخلق الحسن، ولذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التبسم صدقة، لأن الابتسامة قد تكون أحيانًا نجاةً لقلبٍ أثقلته الهموم، وما أعظم أثر الإنسان الذي يدخل إلى مكان عمله ناشرًا الطمأنينة كما تنشر الشمس دفأها في صباح الشتاء، فيعين هذا ويواسي ذاك ويستر زلة أخيه ويغفر هفوته، فلا يكون مصدر خوفٍ أو أذى بل موطن أمنٍ ورحمة
وقد أدرك أهل البيت عليهم السلام أن أعظم الدعوات ما كان بالأخلاق لا بالكلمات،  لأن النفوس تميل إلى الخلق الجميل قبل أن تصغي إلى المواعظ والخطب، والناس قد تنسى الكلام لكنها لا تنسى قلبًا احتواها في ضعفها ولا يدًا امتدت إليها عند حاجتها
وإذا صلحت العلاقة بين الناس في أعمالهم انعكس ذلك على المجتمع كله، لأن المجتمع ليس إلا صورةً كبرى لتلك العلاقات الصغيرة التي تتشكل كل يوم بين الأفراد، فإذا ساد الاحترام والتعاون والرحمة نشأ جيلٌ يعرف قيمة الإنسان ويحفظ كرامته ويؤمن بأن الحياة لا تقوم إلا بالمحبة والتكافل، أما إذا سادت الغيبة والحسد والسخرية والخداع فإن المجتمع يتحول إلى غابةٍ باردةٍ تموت فيها الثقة وتجف فيها ينابيع الرحمة
وقد نهى الله سبحانه عن كل ما يفسد القلوب فقال ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ ونهى عن السخرية والاحتقار لأن الكلمة الجارحة قد تهدم روحًا كاملة، ولأن الإنسان قد يبتسم بوجهه بينما ينزف قلبه من أثر إهانةٍ سمعها أو استصغارٍ لحقه،
وقال شوقي رحمه الله:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
       فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالأخلاق ليست زينةً تكمّل الحياة بل هي روح الحياة نفسها، وإذا ماتت الأخلاق صار الإنسان جسدًا يتحرك بلا قلب وروحًا تائهةً في صحراء الأنانية والقسوة

إن علاقة المسلم بزملاء العمل ليست أمرًا هامشيًا في الإسلام، بل هي جزء من رسالة الإنسان في الحياة. فالمسلم الحقيقي هو الذي يحمل أخلاق دينه إلى مكتبه ومصنعه ومدرسته ومؤسسته، فيكون قدوةً في الصدق والإحسان والتواضع والتعاون.
وحين يتحلى الناس بالأخلاق الحسنة، تتحول أماكن العمل إلى ساحات بناءٍ وإصلاح، ويصبح المجتمع أكثر استقرارًا ورحمةً وتماسكًا. فالكلمة الطيبة صدقة، والابتسامة عبادة، والإحسان إلى الناس طريقٌ إلى محبة الله ومحبة خلقه.
ولذلك يبقى حسن العلاقة بين الناس من أعظم أسباب نهضة المجتمعات، لأن الأمم لا تُبنى بالمال وحده، وإنما تُبنى بالأخلاق والقلوب المتآلفة والنفوس الرحيمة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق