طبقة وسطى على الورق - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

خرج الإمبراطور إلى الناس عاريا، بعدما أقنعه خياطان محتالان بأنهما نسجا له ثوبا لا يراه إلا الأذكياء، فخاف الوزراء من الاعتراف، وصفقت الحاشية، وهللت الجموع، حتى قال طفل صغير الحقيقة التي تهرب منها الجميع، الإمبراطور عار.

ليست هذه الحكاية عن إمبراطور مخدوع وحده، بل عن مجتمع كامل يشارك في الخديعة حين تصبح الحقيقة محرجة، فالناس قد لا يرتدون اليوم ثيابا غير مرئية، لكن كثيرين يرتدون طبقات اجتماعية غير حقيقية، يخرجون إلى العالم في ثوب من المظاهر، يلمع في الصور، ثم يثقل صاحبه عند آخر الشهر.

نحن أمام ظاهرة لا يكفي وصفها بأنها حب للوجاهة أو ميل إلى التفاخر، فالأمر أعمق من ذلك، نحن أمام حالة اجتماعية معلقة بين الواقع والصورة، لا هي غنية بما يكفي لتعيش مطمئنة، ولا هي فقيرة بما يكفي لتعترف بعجزها، طبقة تسكن منطقة رمادية، تدفع أقساط الرفاهية من أعصابها، وتحافظ على مظهرها كما يحافظ المريض على أنفاسه.

في مصر، كما في مجتمعات كثيرة، لم تعد الطبقة الاجتماعية تعرف فقط بالدخل أو الملكية أو القدرة على الإنتاج، بل صار لها تعريف بصري سريع، أين تسكن، ما نوع هاتفك، في أي مدرسة يدرس أولادك، أين قضيت الإجازة، ما نوع سيارتك، في أي مطعم التقطت صورتك، وهل ظهرت في الساحل، وهل نشرت صورة القهوة التي قد يساوي ثمنها وجبة أسرة كاملة.

تحول المجتمع، ببطء، من سؤال ماذا تملك، إلى سؤال كيف تبدو، والفارق بين السؤالين واسع، فالأول اقتصادي يمكن قياسه، والثاني مسرحي يمكن تمثيله، ولهذا اتسعت مساحة طبقة لا تعيش وضعها الحقيقي، بل تؤدي دورا اجتماعيا أعلى من قدرتها، لا لأنها سعيدة بالخداع، بل لأنها تخاف من حكم الآخرين.

كان الفقير في زمن سابق يعرف أنه فقير، وكان الغني يعرف أنه غني، وكانت الطبقة الوسطى تعرف حدودها وتعتز بما لديها من تعليم وذوق وستر وكرامة، لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت أكثر صدقا، أما اليوم فقد اختلطت الحدود، صار بإمكان موظف محدود الدخل أن يحمل هاتفا يفوق راتبه عدة مرات، وأن يقود سيارة بالتقسيط، وأن يدخل مطعما لا يقدر عليه إلا مرة كل شهر، وأن يضع أبناءه في مدرسة تلتهم دخله، ثم يبدو أمام الناس ابن طبقة لا ينتمي إليها فعليا.

اللافت أن هذا الزيف لا يأتي دائما من الطمع، فكثيرا ما يأتي من الخوف، الخوف من السقوط الاجتماعي، من تعليقات الأقارب، من مقارنة الجيران، من نظرة زملاء العمل، من أسئلة أهل المدرسة، ومن صورة صديق يبدو أكثر نجاحا على إنستجرام، صار الإنسان لا يعيش مع دخله الحقيقي فقط، بل يعيش مع عيون الآخرين أيضا، وربما كانت عيون الآخرين أكثر كلفة من الأسعار نفسها.

عرفت الثقافة الشرقية، في أصلها العميق، قيمة الستر، ووراء المثل الشعبي القائل على قد لحافك مد رجليك حكمة قديمة لا تدعو إلى البخل ولا إلى الانكماش، بل إلى التصالح مع الإمكانات، غير أننا انتقلنا من فلسفة الستر إلى فلسفة الاستعراض، صار اللحاف قصيرا، والقدم ممدودة، والبرد واضحا، ومع ذلك نصر على التقاط الصورة بابتسامة كاملة.

أما الثقافة الغربية، التي يظن البعض أنها صنعت الفرد الحر، فقد قدمت لنا أيضا الوجه الآخر للحداثة، وهو الاستهلاك بوصفه هوية، فمنذ كتب ثورستين فيبلن عن الاستهلاك التفاخري، بدا واضحا أن بعض البشر لا يشترون الأشياء لاستخدامها، بل ليعلنوا من خلالها مكانتهم، فالسلعة هنا ليست سلعة فقط، بل إعلان طبقي، الساعة ليست لمعرفة الوقت، والحقيبة ليست لحمل الأشياء، والسيارة ليست وسيلة انتقال وحدها، بل بطاقة تعريف اجتماعية.

غير أن مأساة مجتمعاتنا أنها أخذت من الاستهلاك الغربي قشرته، ومن الشرق خوفه العميق من كلام الناس، فصنعت مزيجا مرهقا، نشتري كي نرى، ونخاف أن نرى على حقيقتنا.

لم تخلق السوشيال ميديا هذا المرض، لكنها منحته مسرحا مفتوحا، ففي الماضي كان الإنسان يقارن نفسه بدائرة محدودة، جار أو قريب أو زميل، أما اليوم فهو يقارن حياته اليومية بحياة آلاف الأشخاص في لحظاتهم المنتقاة بعناية، يرى سفرهم ولا يرى ديونهم، يرى ضحكتهم ولا يرى قلقهم، يرى المائدة ولا يرى الفاتورة، يرى البحر ولا يرى القرض الذي دفع ثمن الرحلة.

وهكذا تصبح المقارنة ظالمة منذ بدايتها، فأنت تقارن حياتك كاملة، بتعبها ومصاريفها وقلقها، بصورة منقحة من حياة الآخرين، ومع التكرار يتولد شعور خفي بالنقص، لماذا لا أعيش مثلهم، لماذا لا أشتري مثلهم، لماذا لا أدخل أولادي مدارسهم، لماذا لا أذهب إلى أماكنهم، ومن هنا تبدأ رحلة التمثيل.

والمشكلة أن هذا التمثيل لا يدفع ثمنه الفرد وحده، بل تدفعه الأسرة كلها، الأب الذي يتظاهر بالقدرة يضغط نفسه حتى آخر جنيه، والأم التي تخشى أن يظهر بيتها أقل من بيوت الأخريات تدخل سباقا مرهقا في الملابس والهدايا والمناسبات، والطفل يتعلم مبكرا أن قيمته في العلامة التجارية التي يرتديها، لا في عقله أو خلقه أو اجتهاده، والشاب المقبل على الزواج يجد نفسه مطالبا بإقامة حفل يرضي المجتمع قبل أن يبني بيتا يريحه.

صار الزواج، في حالات كثيرة، مشروع إعلان اجتماعي قبل أن يكون مشروع حياة، قاعة، تصوير، شبكة، أجهزة، فستان، ديكور، قائمة، شهر عسل، صور منشورة وتعليقات إعجاب، يبدأ البيت أحيانا مثقلا بديون صنعتها رغبة الآخرين لا حاجة الزوجين، وبعد أن ينتهي التصفيق تبقى الفواتير وحدها صادقة.

حتى المصيف، الذي كان في وقت ما مساحة للراحة، تحول إلى بيان طبقي، لم يعد السؤال هل ارتحت، بل أين كنت، في أي قرية، على أي شاطئ، هل ظهرت الصورة، وهل عرف الناس أنك هناك، كأن البحر نفسه لم يعد ماء وملحا وهواء، بل خلفية لإثبات المكانة.

هذه ليست إدانة أخلاقية للناس، فمن السهل أن نقول إنهم يحبون المظاهر، لكن التحليل الأعمق يقول إنهم أسرى نظام اجتماعي يخلط الكرامة بالاستهلاك، وحين يشعر الإنسان بأن قيمته في ما يلبس، وما يركب، وأين يسهر، وأين يصيف، يصبح التقشف إهانة، والبساطة فشلا، والاعتراف بالضيق فضيحة.

الطبقة الاجتماعية المزيفة هي ابنة هذا الخلط، هي ليست طبقة الأغنياء، وليست طبقة الفقراء، وليست الطبقة الوسطى بمعناها الكلاسيكي، إنها طبقة القلق، طبقة تعيش على الحافة، حافة القرض، وحافة القسط، وحافة المقارنة، وحافة الانكشاف، وأكثر ما تخافه ليس الفقر نفسه، بل أن يكتشف الآخرون أنها ليست كما تبدو.

هنا تكمن القسوة، فالفقر، مهما كان صعبا، يمكن مقاومته بالعمل والتكافل والسياسات العامة، أما الخوف من انكشاف الصورة فهو مرض اجتماعي صامت، يجعل الإنسان سجينا لدور اختاره ثم لم يعد قادرا على الخروج منه، يعرف أنه مرهق لكنه يواصل الابتسام، يعرف أن حسابه مكشوف لكنه يواصل الإنفاق، يعرف أن السيارة قسطها يذبحه لكنه يخشى الرجوع إلى ما يناسبه، يعرف أن المدرسة فوق طاقته لكنه يخشى أن يقول لا أقدر.

في تراثنا العربي كلمة جميلة اسمها القناعة، لكنها ظلمت كثيرا، ظنها البعض دعوة إلى الرضا بالفقر، بينما هي في حقيقتها وعي بالحدود، القناعة ليست أن تقبل القليل ظلما، بل أن ترفض أن تستعبدك أشياء لا تحتاجها، وهي ليست عدوة الطموح، بل عدوة الاستعراض، فالطموح أن تصعد بقدرتك، أما الزيف فهو أن تقف على أصابعك طوال الوقت كي تبدو أطول مما أنت عليه.

ولا يبدأ الحل بنصيحة أخلاقية باردة من نوع لا تهتموا بالمظاهر، فالمجتمعات لا تتغير بالمواعظ وحدها، بل يبدأ بإعادة الاعتبار للبساطة، وبناء ثقافة لا تسخر من محدود الدخل، ولا تحتقر من يختار مدرسة متوسطة، ولا تستهين بمن لا يملك سيارة، ولا تجعل المصيف معيارا للنجاح، ولا تجعل الفرح مسابقة إنفاق.

نحتاج إلى شجاعة اجتماعية جديدة، شجاعة أن نقول لا أستطيع دون خجل، وهذا لا يناسب دخلي دون شعور بالنقص، ولن أشتري ما لا أحتاجه دون خوف من نظرة الناس، نحتاج أن نربي أبناءنا على أن القيمة ليست في السعر، وأن الإنسان لا يصبح أكبر بحذاء أغلى، ولا أذكى بهاتف أحدث، ولا أكثر احتراما بصورة في مكان فاخر.

إن أزمة الطبقة الاجتماعية المزيفة أنها لا تعاني فقط من ضيق المال، بل من ضيق الاعتراف، ولو اعترف الناس بحقائقهم لخف العبء نصفه، ولو تصالح المجتمع مع البساطة، لتراجعت ديون كثيرة، وهدأت بيوت كثيرة، ونام آباء وأمهات بلا شعور دائم بأنهم متأخرون عن سباق لا نهاية له.

في حكاية الإمبراطور لم يكن الطفل عبقريا، كان فقط غير خائف، قال ما يراه، وربما نحتاج نحن أيضا إلى طفل اجتماعي شجاع يقول لنا إن كثيرا مما نرتديه ليس ثوبا، بل وهم، وكثيرا مما نتفاخر به ليس قدرة، بل قسط، وكثيرا مما نعرضه ليس حياة، بل مشهد.

ليست المشكلة أن يحلم الإنسان بالصعود، فالمجتمعات الحية تقوم على الطموح، المشكلة أن نخلط الصعود بالتمثيل، وأن نشتري اعتراف الناس بثمن راحتنا، وأن نحيا داخل صورة لا تشبهنا، فالكرامة لا تحتاج إلى ماركة، والستر لا يحتاج إلى إعلان، والنجاح الحقيقي لا يخاف من البساطة.

المجتمع الصحي ليس مجتمعا بلا فوارق، فهذا خيال، لكنه مجتمع لا يدفع أبناءه إلى الكذب كي يحظوا بالقبول، مجتمع لا يجعل الإنسان يعتذر عن دخله، ولا يخجل من حدوده، ولا يختبئ خلف استهلاك لا يقدر عليه.

أما نحن، فما زلنا في حاجة إلى أن نسمع صوت ذلك الطفل القديم، وهو يهمس وسط زحام الصور والبراندات والأقساط، انتبهوا، الإمبراطور لا يرتدي شيئا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق