رأت الدكتورة مروة مزيد، أستاذ العلاقات الدولية والعلاقات المدنية- العسكرية بجامعة ميريلاند، أن واشنطن وطهران أصبحتا أقرب إلى اتفاق مما كانتا عليه قبل أسابيع، لكنهما لم تصلا بعد إلى نقطة الاختراق النهائى، معتبرة أن الطرفين يقتربان من اتفاق إدارة أزمة ووقف تصعيد طويل الأمد.
وقالت، فى حوارها لـ«الدستور»، إن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لا يخفى رغبته فى التوصل إلى اتفاق يمكن تقديمه باعتباره أفضل من اتفاق الرئيس الأسبق باراك أوباما لعام ٢٠١٥ مع إيران، فيما تحتاج طهران إلى مخرج اقتصادى واستراتيجى من سنوات العقوبات والضغوط.
■ ما مدى اقتراب واشنطن وطهران حقًا من تحقيق انفراجة والوصول لاتفاق بشأن الحرب؟
- فى ضوء التطورات، خلال الأيام القليلة الماضية، يمكن القول إن واشنطن وطهران أصبحتا أقرب إلى اتفاق مما كانتا عليه قبل أسابيع، لكنهما لم تصلا بعد إلى نقطة الاختراق النهائى.
هناك إشارات متضاربة: «ترامب» يؤكد أن المحادثات مستمرة «بوتيرة سريعة» وأن تقدمًا تحقق، بينما يواصل المسئولون الإيرانيون الحديث عن تعليق أو تباطؤ بعض قنوات التفاوض بسبب التطورات العسكرية فى لبنان والخليج. والتقدير الأقرب هو أن الطرفين يقتربان من اتفاق إدارة أزمة ووقف تصعيد طويل الأمد أكثر من اقترابهما من «سلام تاريخى شامل»، لكن أرى أن الاختراق التاريخى وارد أيضًا نظرًا لشخص «ترامب» صاحب المفاجآت.
وهناك المؤشرات الإيجابية، استمرار الوساطة الباكستانية والدور القطرى والمصرى والتركى ووجود مسودة اتفاق قيد الدراسة فى طهران ورغبة الطرفين فى تجنب استئناف حرب واسعة تهدد الاقتصاد العالمى وأسواق الطاقة، لكن المؤشرات السلبية لا تزال كبيرة، من بينها تبادل الضربات العسكرية، وإيران علقت أو خفضت مستوى بعض الاتصالات التفاوضية بعد أحداث لبنان، وانعدام الثقة بين الطرفين ما زال عميقًا.
وبشكل عام، الرئيس ترامب لا يخفى رغبته فى التوصل إلى اتفاق يستطيع تقديمه باعتباره أفضل من اتفاق أوباما النووى، بينما تحتاج إيران إلى مخرج اقتصادى واستراتيجى من سنوات العقوبات والضغوط. وإذا نجح الوسطاء الإقليميون فى تضييق فجوات الخلاف، فإن سيناريو التوصل إلى اتفاق أوسع يشمل تخفيف العقوبات، وإعادة دمج إيران تدريجيًا فى الاقتصاد العالمى.
وإجراء ترتيبات أمنية جديدة فى الخليج يبقى احتمالًا قائمًا وليس مجرد احتمال نظرى، فى الواقع، قد يفاجئ الطرفان الجميع باتفاق أكبر مما تتوقعه الأسواق أو العواصم الإقليمية حاليًا، خصوصًا إذا خلصت واشنطن وطهران إلى أن المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية للتسوية أصبحت أكبر من كلفة استمرار المواجهة.
■ ماذا عن القضايا الخلافية فى المفاوضات الحالية؟
- القضايا الخلافية الرئيسية: البرنامج النووى الإيرانى ومستوى تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والعقوبات الاقتصادية الأمريكية وتوقيت رفعها، وحرية الملاحة فى مضيق هرمز وآلية إدارته مستقبلًا، ودور إيران الإقليمى وعلاقتها بحزب الله والجماعات الحليفة الأخرى، وعمليًا العقدة الأساسية هى أن واشنطن تريد قيودًا أمنية أوسع من الملف النووى، بينما تريد طهران تخفيف العقوبات قبل تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة.
■ هل لا تزال إيران تمتلك نفس النفوذ الذى كانت تمتلكه قبل الضغوط العسكرية والاقتصادية الأخيرة؟
- إيران لا تزال تمتلك نفوذًا مهمًا فى ٣ مجالات: الجغرافيا الاستراتيجية، وقدرتها على التأثير فى مضيق هرمز التى ما زالت تمنحها ورقة ضغط عالمية، والشبكات الإقليمية حيث لا تزال تحتفظ بعلاقات ونفوذ عبر شركاء إقليميين، كما تمتلك القدرة على رفع تكلفة التصعيد. وأثبتت الهجمات الأخيرة على الكويت والبحرين وقبلهما الإمارات، أن إيران ما زالت قادرة على إزعاج المصالح الأمريكية والخليجية وإحداث تأثير فى الأسواق، ولكن نفوذها اليوم قد يراه البعض أضعف مما كان عليه قبل الحرب، لأن الضغوط الاقتصادية والعسكرية قلصت هامش المناورة وأجبرتها على العودة إلى طاولة التفاوض، ولكن هذا نفسه قد يكون تقديرًا غير دقيق للأمور يقلل من قدرات إيران أكثر مما هو الحال على أرض الواقع.
■ ما حجم الضغوط السياسية الداخلية التى يواجهها ترامب فيما يتعلق بالمفاوضات مع إيران؟
- ترامب يواجه ضغوطًا من اتجاهين متعارضين، تيار يطالبه بإبرام اتفاق وإنهاء الحرب وتجنب استنزاف أمريكى جديد فى الشرق الأوسط، وآخر يعتبر أن إيران أصبحت أضعف من أى وقت مضى وأن الوقت مناسب لفرض شروط أشد أو حتى مواصلة الضغط العسكرى.
كما أن مجلس النواب وجّه هذا الأسبوع رسالة سياسية مهمة عبر تمرير قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، ما يعكس وجود حساسية داخلية متزايدة تجاه أى تصعيد جديد.
وهناك انقسام داخلى حقيقى فى الإدارة الأمريكية بين دعاة الدبلوماسية ومؤيدى النهج العسكرى، بين فريق يرى أن الضغوط العسكرية والعقوبات نجحت بالفعل وأن الوقت مناسب لترجمة المكاسب إلى اتفاق سياسى، وأصوات داخل المؤسسة الأمنية وخارجها ترى أن إيران تستخدم المفاوضات لكسب الوقت وأن أى اتفاق غير صارم سيمنحها فرصة لإعادة بناء قدراتها. لكن حتى الآن يبدو أن ترامب نفسه يميل إلى إعطاء الدبلوماسية فرصة إضافية طالما لم تتعرض القوات الأمريكية لخسائر كبيرة مباشرة.
■ إذا انهارت المفاوضات، ما الخطوة التالية الأكثر ترجيحًا من جانب واشنطن؟
- السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس غزوًا واسعًا، بل تشديد العقوبات الاقتصادية وضربات جوية محدودة ضد أهداف عسكرية إيرانية وزيادة الحضور العسكرى البحرى فى الخليج ودعم عمليات احتواء إقليمية ضد الشبكات الحليفة لإيران، أما الحرب الشاملة فتبقى احتمالًا أقل ترجيحًا بسبب تكلفتها الاقتصادية والسياسية.
■ هل يمكن لنتائج هذه المفاوضات أن تعيد تشكيل الترتيبات الأمنية فى جميع أنحاء الخليج؟
- نعم، وربما تكون هذه هى القضية الأهم استراتيجيًا. فنجاح المفاوضات لن يعنى فقط وقف التصعيد، بل قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمى بأكملها، بما فى ذلك أمن الملاحة فى الخليج ومضيق هرمز، وآليات خفض التصعيد، وأدوار القوى الإقليمية فى إدارة الأزمات.
كما أن أى اتفاق أمريكى- إيرانى واسع النطاق سيعيد توزيع موازين النفوذ الإقليمى، وسيدفع عددًا من الدول، خاصة إسرائيل والإمارات، إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية وعلاقاتها مع واشنطن وطهران على حد سواء.
ومن هذا المنظور، فإن السيناريو الذى يجب عدم استبعاده هو انتقال العلاقة من منطق إدارة الصراع إلى منطق التسوية التدريجية، بما يشمل رفعًا جزئيًا أو واسعًا للعقوبات، وانفتاحًا اقتصاديًا أكبر بين إيران وترامب، لكن نجاح مثل هذا الاتفاق لن يكون موضع ترحيب من جميع الأطراف الإقليمية.
فهناك قوى، وفى مقدمتها حكومة بنيامين نتنياهو فى إسرائيل، تنظر بقلق إلى أى تقارب أمريكى- إيرانى واسع، خشية أن يؤدى إلى تخفيف الضغوط على طهران أو منحها شرعية دولية أوسع.
ولهذا السبب يرى بعض المراقبين أن جزءًا من التوترات الحالية يعكس أيضًا صراعًا حول شكل النظام الإقليمى المقبل، وليس فقط خلافًا حول بنود الاتفاق نفسه. ومع ذلك، لا توجد أدلة علنية حاسمة تثبت أن إسرائيل قادرة بمفردها على تعطيل اتفاق إذا قررت واشنطن وطهران المضى فيه قدمًا، وإن كانت تملك أدوات تأثير وضغط سياسية وأمنية مهمة فى هذا الملف، منها توسعها وتوغلها وطرح نفسها على أنها الضامن الأمنى للخليج أكثر من الولايات المتحدة نفسها.

















0 تعليق