اللعبي يساند "الهواجس الإنسانية" لإخراج كتب المغاربة من القبلية إلى العالمية

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بعنوان “رامبو وشهرزاد”، قدّم معرض الكتاب بالرباط الأعمال المسرحية للأديب المغربي عبد اللطيف اللعبي التي صدرت مترجمة من اللغة الفرنسية عن دار الرافدين العرافية، في إطار عمل مستمر لإصدار أعماله الكاملة باللغة العربية.

وفي الدورة التاسعة والعشرين من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، قال عبد اللطيف اللعبي في لقاء خصّص لأعماله المسرحية، إنه يعتبر “المسرح الأخ التوأم للشعر؛ فالشعر لا نكتبه وننشره في كتاب ليقرأ بالأعين فقط، ومنذ الستينات، في جيلي، ألححنا في مغامرة مجلة ‘أنفاس’ على أن الشعر كذلك ناتج عن همنا الآخذ من الثقافة المغربية زادا لبناء ثقافة جديدة في المغرب، والشعر عندنا شفوي قبل أن يكون مكتوبا. وفي الجزيرة العربية أيضا، كان بعض من كتب المعلقات أميا؛ لأن الشعر كان ينظم ويلقى ثم يحفظ وينقل”.

بالتالي، يورد المتحدث نفسه: “من المهم جدا لي أن الشعر كتابة وصوت، والصوت يعني الجسد، والجسد معناه الذاكرة والنَّفَس أيضا، وإذا اعتبرنا الشعر كتابة فقط سيكون ناقصا إحدى مكوناته الأساسية”.

وتابع: “أقرأ الشعر في لقاءات مع الجمهور خارج المغرب، ولحظة القراءة بالنسبة لي أهم شيء، وعندما أقرأ يكون اقتسام مباشر يظهر في الأعين وكيف يتلقى الناس رسالة القصيدة، وبالتالي هذا الجانب مؤسِّس، ومرتبط بمسار فكري وثقافي ينطلق من تجربة ‘مجلة أنفاس’ خلال الستينات وبداية السبعينات”، ثم علق على قراءة الشعر في العالم العربي التي “يزيد فيها قليلا (بمعنى يبالغ) بعض الشعراء عند الإلقاء، لا تمثيلا بل تفخيما، بينما في بلدان أخرى يقرأ الشاعر بشكل بسيط”.

وحول جمهور الكتابة، كشف اللعبي “الهاجس الإنساني”؛ أي هاجس “أن يلتحق ما نكتبه كمغاربة بالركب الإنساني”، وأردف قائلا: “هذا هاجسي، لِنَخْرُج من الركب الضيق، ألا يكون ما نكتبه يعني القبيلة المباشرة، ولو أن أي كاتب له جمهور أقرب من الجماهير الأخرى، لكن عندما يكتب فله روح ستُقرأ، وتجد قرّاء في أي مكان في العالم”.

وعاد اللعبي إلى سؤال أثير عرفه طيلة مساره الإبداعي المنطلق منذ منتصف ستينات القرن العشرين؛ “في المغرب مثقفون وكتاب باللغة العربية كانوا يحسّون بعدم ارتياح لهذا الإنتاج بالفرنسية، وهناك من ذهبوا أبعد قائلين إن الكتابة بلغة المستعمِر فيها خدمة للرابط بين المستعمِر والمستعمَر”.

ثم تابع: “لم تكن هناك حرب أهلية لغوية بالمغرب، عكس الجزائر التي حدثت فيها حرب لغوية أدى ثمنها غاليا شعراء وأدباء، لكن كان لي قلق القرب، وبالمغرب يوجد حقل أدبي واحد سواء بالعربية أو الأمازيغية أو الإسبانية أو الفرنسية أو الكتالانية أو الإيطالية أو الهولندية… ومن الكُتّاب بلغات مثل الهولندية والكاتالانية من يحتلون مكانا مهما في الآداب المكتوبة بتلك اللغة، وقد دافعتُ مع خير الدين والنيسابوري على ألا تكون اللغة عائقا أمام الحوار واللقاء المشترك”.

وزاد: “اليوم الأدب المكتوب بالفرنسية قليل جدا منه يترجم إلى العربية، وشخصيا كانت لي حاجة ‘عودة النص’ (إلى اللغة العربية) ودافعت عن هذا لوقت طويل، وهذا حلم يرجع إلى أربعين سنة، أن أرى جميع أعمالي مترجمة إلى العربية، فهذا مهم لي”.

وأكمل مترجم محمود درويش الأوَّل إلى الفرنسية بوحَه: “تعلمت خلال الاستعمار العربية كلغة ثالثة، في المدرسة الفرنسية الإسلامية، والفرنسية كانت اللغة التي أضبطها فعلا (…) أحسست دائما بهذا النقص لدي، وفي الترجمة كنت أحس بأنه قد سُرِقتُ جزءا مني، العربية الفصحى، عربية الآداب الكبرى، وكان هذا نقصا حقيقيا، فعملت بجد كبير لسنوات، وساعدني السجن، فلم يكن السجن سلبيا تماما، وقرأت الكلاسيكيات وعملت لأصير مزدوج اللغة فعلا، لكن هناك لغة مهيمنة دائما”.

وبين الشاعر والجنرال في عمل مسرحي للّعبي، بين ديكتاتور دولة التشيلي بينوشي والمغني فيكتور خارا “مغني الشعب”، الذي اعتُقل وقُطعت أصابعه، وقال له عسكري يمكنك الآن مسك القيثارة والغناء؛ تحدث اللعبي عن مشهد من مشاهده، له بعد أعمق: “ضحية الأمس يمكن أن يصير جلاد اليوم، وهو ما نلاحظه في كثير من الحالات، من بينه ما يقع في غزة بشكل واضح تماما”، في إشارة إلى القصف الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين.

وحول تجربته في الكتابة المسرحية، علما أنه من مؤسسي المسرح الجامعي بالمغرب، قال اللعبي: “عشت تجربة فريدة تختلف عن كتابة الشعر، فهي ما بين السيرة الذاتية والتخييل الذاتي، وتجربتي في كتابة المسرحيات غريبة؛ أشعر بغبطة غريبة، وحرية لم أعشها في كتابة الشعر وكتاباتي النثرية بشكل عام، بهجة، وهذه الأعمال الوحيدة في أعمالي الأدبية التي هي متخيلة”، ثم تطرق إلى ترجمتها قائلا: “الترجمة دائما مؤقتة، ويستحيل أن تكون نهائية، وبعد خمس أو عشر سنوات تقرأ من جديد، فتكتشف أشياء، وعليك الترميم”.

 

وحول كتابته عن الإنسان، قال اللعبي: “الكائن البشري في استطاعته أن يكون مركزُ حياته الدفاع عن القيم الرفيعة مثل العدالة والمساواة والحرية، وقد ينقلب تماما ويصبح فعلا جلادا، وهذا يحدث أحيانا حتى على المستوى الفردي لا الجماعي فقط. ونعرف في المغرب كم من الرجال المدافعين عن حقوق المرأة والمتضامنين مع النساء في المساواة والكرامة، وعند دخول المنزل يصبحون شيئا آخر؛ لا مساواة ولا شيء”.

ثم ذكر أنه “أصبح يشعر بجانبه النسوي؛ لأن هناك مكوِّنَين داخل كل كائن بشري؛ مكون رجالي ونسوي”، علما أن اللغة الفرنسية “رجولية أكثر” من اللغة العربية (أي إن مفرداتها ونحوها أكثر محاباة للرجل)، كما أنه “أحيانا يراودني جنون داخلي، وأقدس في كثير من كتاباتي الجانب الهزلي بل العبثي للحياة، لكن في الوقت نفسه لا تغيب عني مجموعة من الأشياء التي يمكن أن تضحك، طريقة مشي أحد، أو تنفسه… هذا المسرح اليومي يثيرني، إذن عندي علاقة فيها مسافة مع الواقع، لأني وصلت إلى مرحلة في تجربة الحياة أحس فيها بثنائية داخلي، وأحيانا بثلاثية؛ وهذا ناتج عن نزعة تأمل وتدقيق في الوضع البشري بشكل عام، وفي الحياة بتفاصيلها ودقائقها”.

ثم عاد اللعبي إلى فكرة القيم والدفاع عنها، مؤكدا أن المسألة ليست “بالكلام والخطابات والقناعات، بل مسألة ممارسة يومية عملية، مما يجعل الكينونة تتحول”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق