حكم الجمع بين الأضحية والعقيقة والنذر - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من المقرر شرعًا أن الأضحية مِن شعائر الله –تعالى- التي يتقرب بها المسلمون لخالقهم ورازقهم –جلَّ وعلا- في أيام عيد الأضحى المبارك، وهي سنة مؤكدة عن النبي -ﷺ- عند الجمهور، وفي موسم الأضحية ينتشر التساؤل بين الناس حول جواز التشريك في النية، أو تعدد النوايا في الذبيحة الواحدة، وتتوارد هذه الأسئلة: هل يجوز للمسلم أن يذبح شاة واحدة بنية الأضحية وعقيقة المولود معًا؟، وهل يمكن لسبعة أشخاص يشتركون في بدنة -جمل أو بقرة- أن تتنوع نواياهم بين أضحية، وهدي، ولحم للأكل؟.

حكم اشتراك أكثر من شخص في الأضحية الواحدة

الأول: الغنم (الضأن والمعز)

أجمع الفقهاء على أن الشاة (شاة الضأن أو المعز) لا تجزئ إلا عن شخص واحد أصالة، ولا يجوز اشتراك اثنين أو أكثر مِن بيوت متعددة في ثمنها، على أن تكون أضحية عنهما أو عنهم جميعًا على سبيل الاستقلال [المجموع شرح المهذب للإمام النووي].

أمَّا أهل البيت الواحد كأن يُضَحِّي الرجل بشاة عنه وعن أهل بيته –الذين تلزمه نفقتهم- وإنْ كَثُرواْ فإنَّ الشاة الواحدة تكفي عنهم جميعًا، وإليه ذهب الإمام مالك، والشافعي، وأحمد [التهذيب في اختصار المدونة (٢/٣٧)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (٢/٥٨٩)، المغني لابن قدامة (٩/٤٣٨)].

واستدلواْ بحديث أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ –رضي الله عنها- «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال وهو يذبح أُضحيته: «بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ... » [صحيح مسلم]، وبقول عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ: سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ: كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى" [سنن الترمذي].

الثاني: البدَنَة (الإبل والبقر)

ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية، والشافعية، والحنابلة- إلى أن البدنة (البعير أو البقرة) تجزئ عن سبعة أشخاص؛ لحديث جابر بن عبد الله -رضي عنهما- قال: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» [صحيح مسلم].


تعدُّد نوايا الشركاء في الإبل والبقر
إذا اشترك سبعة أشخاص في بقرة أو ناقة، فهل يشترط أن تكون نيتهم واحدة (كلهم يضحون مثلاً)، أم يجوز أن تختلف نواياهم كأن يدخل أحدهم بنيَّة الأضحية والآخر بنية العقيقة والثالث بنية الهدي، والرابع بنيَّة النَّذر...؟ اختلف الفقهاء فيها على قولين:

الأول: ذهب جمهور الفقهاء –الحنفية، والشافعية، والحنابلة- إلى جواز اختلاف النوايا في الذبيحة الواحدة إذا كانت مما يمكن الاشتراك فيها شرعًا كالإبل والبقر، كأنْ يشترك السبعة في البقرة أو البدنة سواء كان قصدهم جميعًا التضحية، أو قَصَدَ بعضهم نية أخرى، فلكل شخص سبعُه المستقل، ولا يؤثر اختلاف نية أحدهم على الآخر، لأَنَّ الْجِهَاتِ وَإِنْ اختَلَفَت صُورَةً فَهِيَ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ المقصُودَ مِن الكلِّ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ –جلَّ جلاله- ولهم قسمة اللحم؛ لأن قسمته قسمة إفراز [المبسوط للسرخسي (١٢/١٢)، مغني المحتاج (٤/٢٨٥)، المغني لابن قدامة (٩/٤٥٨)].

بل ذهب الشافعية إلى أنَّه يجوز أن يريد بعضهم الأضحية، وبعضهم الهدي، وبعضهم مجرد اللحم للأكل [المجموع للنووي (٧/٥٠٢)].

واشترط الحنفية أن يكون جميع الشركاء قاصدين القربة -أي العبادة- وإن اختلفت وجوهها، كأنْ ينوي أحدهم أضحية، والآخر عقيقة، والآخر فدية، لكن لو كان أحدهم يريد مجرد اللحم للأكل، فسدت الأضحية [المبسوط للسرخسي (١٢/١٢)، تحفة الفقهاء (٣/٨٥)، بدائع الصنائع (٥/٧١)].

الثاني: ذهب المالكية إلى عدم جواز اختلاف النيات في الذبيحة الواحدة، فلا يجوز لسبعة أشخاص –مثلًا- أن يشتركوا في البقرة أو البدنة على سبيل الاستقلال بالثمن والنوايا المختلفة، بل يُجيز المالكية التشريك في الأجر فقط بشرط القرابة والإنفاق، كما سيأتي [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٢/١١٩)].

تعدد النوايا لشخصٍ واحدٍ في ذبيحة واحدة

سبق الحكم أنَّ الذبيحة الكبيرة –البقر أو الإبل- يجوز تعدُّدُ نيَّة الشُّركاء فيها عند جمهور الفقهاء، وكذلك إذا ذبحها شخصٌ واحدٌ بنوايا متعددة، أمَّا إذا كانت مما لا يجوز الاشتراك فيه كأنْ يذبح شاة واحدة بنية الأضحية والعقيقة معًا، ففي هذه المسألة قولان مشهوران بين الفقهاء:

القول الأول: الجواز والإجزاء، وهو قول الحنفية والحنابلة، حيث يرى أصحاب هذا القول أن العبادات من جنس واحد تتداخل إذا اجتمعت في وقت واحد، قياسًا على دخول تحية المسجد في صلاة الفريضة، أو غسل الجنابة مع غسل الجمعة، وقد نُقِل عن الإمام الحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة -وهم من أئمة التابعين وفقهائهم الذين بنى الحنفية أقوالهم عليهم- أن الأضحية تجزئ عن العقيقة [مصنف ابن أبي شيبة (١٢/٣٢٩)، شرح السنة للإمام البغوي (١١/٢٦٧)، منتهى الإرادات (٢/٢٠١)].

القول الثاني: المنع وعدم الإجزاء، وهو قول الشافعية والرواية المشهورة عن المالكية، فهم يرون أن الأضحية والعقيقة سُنَّتان مقصودتان لذاتهما، ولكل منهما سبب مستقل وفداء مستقل، فلا تجزئ إحداهما عن الأخرى؛ لأنهما لا يحصلان بسُبُع واحد... لأن كلًا منهما سنة مقصودة [تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٩/٣٦٩)، حاشيتا قليوبي وعميرة (٤/٢٥٦)].


 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق