المبانى والحجارة والحقول والبيوت عمرها أطول من عمر الإنسان، ولا يمكن فصل تلك الأماكن عن الذاكرة، فهما كائنان حيّان لا يفترقان، تشكّل الأماكن ذاكرة الأفراد الذين عاشوا فيها، ذات البيت الذى ولدت فيه بناه جدك وسكنته عائلتك، جدرانه مسجل عليه صباك وشبابك، وهو نفس البيت الذى يبقى حتّى بعد أن تشيب الرؤوس ويرحل الأهل وتتلاشى الضحكات وتتوه الأصوات فى فجوة زمنية سحيقة وتمحى التفاصيل، تظل بالبيوت رائحتها وأنفاس الزمن.
إسرائيل منذ زمن تخوض حربا على الذاكرة العربية فى فلسطين ولبنان، حرب تستهدف الجانب الماديّ للذكريات، تستهدف المألوف الحسيّ لنفى أصحاب الأرض من ذكرياتهم التى تستحضرها الأماكن، إنها حرب موجعة، يقع التاريخ فى القلب منها، فأكثر ما تخشاه إسرائيل هو التاريخ، نقطة الضعف المقيمة فى كل مفاصلها وتفاصيلها، لأن الغزاة كما قال الشاعر محمود درويش: لا يخشون شيئاً قدر خشيتهم من الذكريات، إسرائيل الآن تُقاتل البيوت والأفنية والحدائق، تطلق النار على الحارة والمقهى، لتموت الذكريات، وتفض صباحات القهوة والدردشات العفوية على المصاطب أمام البيوت، إسرائيل اليوم تغتال أبطال قصص ما قبل النوم الأسطورية التى كان يحكيها لنا أجدادنا، ليستيقظ الأطفال على أصوات القصف والتفجيرات التى لا ترحم بشر أو حجر.
يخوض الفلسطينيون حروبًا كثيرةً ضد الوجود الاستعمارى الإسرائيلى فى أرضهم، سواء فى غزة أو فى الضفة الغربية والقدس، وعلى رأسها حروب الذاكرة، المبانى التى تربط الماضى بالحاضر، لا تريد لها إسرائيل أن تبقى، تريد أن تفك هذا الارتباط وتمنعه أن يمتدّ إلى المستقبل، فتستهدف التاريخ، ظنًّا منها أنّها بمحو المادة تمحى الذاكرة، أو أنها ستمحو ماض عرّف أهله أنفسهم به!
تشهد الضفة الغربية المحتلة، بفعل فاعل، تحولا متسارعا فى بنيتها الديموغرافية والجغرافية، فى ظل تصاعد الاستيطان وتزايد اعتداءات المستوطنين، مما يفرض واقعا ميدانيا أشبه بالتهجير غير المعلن يتم عبر أدوات متعددة، لا تقتصر على الإخلاء المباشر، بل تشمل فرض بيئة قسرية تدفع السكان تدريجيا لمغادرة مناطقهم، لتتوسع البؤر الاستيطانية وتتصاعد الاعتداءات فى القرى والمدن الرئيسية فى الضفة الغربية، والقدس المحتلة، فى مشهد يعيد تشكيل الحياة اليومية ويقوّض استقرار التجمعات الفلسطينية.
فى القدس الشرقية مثلا، شهد حى البستان، الواقع ضمن حى سلوان خلال السنوات القليلة الماضية هدم عشرات المنازل، فى إطار تغييرات عمرانية متسارعة فى المنطقة، ومنازل أخرى مهددة بالهدم، مما يهدد وجود السكان فى الحي، كما يقوم المستوطنون بإحراق المحاصيل الزراعية، وتدمير السيارات، ومهاجمة قرى بأكملها، خصوصا فى المناطق القريبة من البؤر الاستيطانية التى توصف بأنها الأكثر تطرفا.
فى لبنان، ما يتعرض له جنوب لبنان اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ طويل من الصراع الممتد منذ قيام إسرائيل عام 1948, ولا تمثل العمليات العسكرية المتواصلة والنزوح الواسع وتدمير البنية المدنية فى الجنوب اللبنانى أحداثا منفصلة، بل هى فاصل جديد من الحرب المستمرة على التراث الثقافى والذاكرة الجماعية للسكان، فالخسائر لا تقتصر على الدمار المادى للمبانى والمواقع الأثرية، بل تمتد إلى محو جزء من الهوية التاريخية والاجتماعية للمنطقة.
المواقع البارزة التى شملها القصف الإسرائيلى فى لبنان مؤخرا، مثل مدينة صور الأثرية وقلعة الشقيف وقلعة شمعا، وتدمير عشرات القرى الجنوبية بما تحويه من منازل ومدارس ودور عبادة ومقابر، فضلا عن الأضرار التى لحقت بالمشهد الزراعى التقليدى المتمثل فى بساتين الزيتون وكروم العنب وحقول التبغ، كل هذا أعاد إلى الواجهة المخاوف من اندثار إرث حضارى تشكل عبر قرون طويلة، وسط تحذيرات من تعرض مواقع تاريخية محمية لأضرار جسيمة، تمثل تهديدا للتراث الحى الذى يشكل جزءا أساسيا من هوية الجنوب اللبنانى وذاكرته المتوارثة بين الأجيال.
العلاقة بين الشعوب وذاكرتها لا فكاك منها، ولا انفصال فيها، يعتقد المحتل أنّه قادر على طمس التاريخ، ومحو الماضى، وخنق الذاكرة، وقطع جذور شعبٍ له حضارةٌ وأمجادٌ حين يهدم ويدمّر ويقصف ويحرق، لكن هيهات، فما فلح من جاء قبله، يحاول كل محتل فى أى حقبة زمنية أن يبدل الذاكرة فى الأرض التى يحتلها ويمحو كلّ تعبيرٍ ماديّ يمتّ إلى هذه الذاكرة بصلة، لكنه لا يستوعب أن الذاكرة والشعب صنوان تتشابك تفاصيلهما لتؤكّد الارتباط التاريخى والمشاعر المشتركة والمعاناة الواحدة، فلو نطق الحجر لصرخ من القصف مثلما يصرخ الشهيد على أرضه.
















0 تعليق