خبراء يرونها تهديدًا للأثر.. وآخرون: جزء من نسيج المكان ودونها يفقد شخصيته
عبدالرحيم ريحان: لا مانع من التأجير لأنشطة تراثية لا تستخدم أنابيب أو توصيلات كهربائية تتسبب فى حرائق
مى الإبراشي: المحلات عنصر أساسى فى تصميم بعض الآثار.. وهى جزء من التراث الحى للمدينة
أحمد عامر: مطلوب متابعة دورية وتفتيش مستمر حرصًا على سلامة الأثر
تتمتع القاهرة بآلاف الكنوز الأثرية الإسلامية خاصة فى شارع المعز لدين الله والغورية وباب الوزير وغيرها، ولكن هذه الكنوز تعانى وجود العديد من التعديات التى تتمثل فى المحال التجارية والورش التى تقع أسفل العديد منها، والتى قد تهدد الأثر نفسه.
ورغم أن هذه المحال منتشرة فى العديد من المساجد والأسبلة والخانقاوات والوكالات الأثرية منذ سنوات طويلة، إلا أنه آن الأوان لتلتفت وزارة السياحة والآثار لهذه المشكلة وتضع حلولا جذرية لها، قبل أن تقع كارثة تفقدنا أحد هذه الكنوز مثلما حدث من قبل فى قصر المسافرخانة.
فمن يتجول فى مناطق القاهرة التاريخية يصدم من هول ما يشاهد من تعديات تجارية على الآثار والتى تتمثل فى متاجر ومحال وورش وغيرها، ففى منطقة المعز والجمالية تنتشر محلات بيع الملابس والعطارة وألعاب الأطفال، وفى منطقة الغورية تتواجد محلات المفروشات والستائر والملابس وبعضها يكون داخل مراكز وسناتر قد تشتعل فيها حرائق، أما منطقة باب الوزير وسوق السلاح فتنتشر فيها بعض ورش التصنيع والمقاهى، وكذلك منطقة باب زويلة تتواجد فيها ورش ومحلات تصنيع الفوانيس والحدايد وغيرها.
وقد يتساءل البعض عن السبب الذى أدى إلى وجود هذه الأنشطة داخل الآثار، وما الداعى لاستمرارها بهذا الشكل، خاصة أنه خلال جولة «الوفد» فى هذه المناطق، وجدنا توصيلات كهربائية عشوائية وأعمالا خشبية، ومعدات وآلات ثقيلة قد تؤثر سلبا على الحالة الفنية للأثر.
تباين
ورغم ذلك تباينت آراء الخبراء والمتخصصين حول وجود أنشطة تجارية داخل وأسفل آثار القاهرة الإسلامية، ما بين مؤيد ومعارض لفكرة استمرارها على النمط الحالى.
فالبعض يرى أنها تؤثر على الحالة الفنية للأثر وتؤدى إلى أضرار وتأثيرات سلبية على الطبيعة الأثرية للمكان، بينما يرى آخرون أنها جزء من تصميم الأثر نفسه، ولا يجب إغلاق الأنشطة التجارية طالما أنها مطابقة للمواصفات ولن تضر بالأثر، خاصة وأنها جزء من النسيج الحى للمدينة التاريخية، فضلا عن أنها عامل مؤثر فى الاقتصاد والسياحة.

وفى هذا الصدد، قال الدكتور عبدالرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن هناك محلات مرتبطة بالأثر نفسه ومن تاريخ إنشاء الأثر، وهناك محلات حديثة فى شارع المعز لدين الله والغورية وغيرها، لكن القضية ليست التأجير فى حد ذاته بل نوعية التأجير.
وأضاف ريحان، أنه إذا تم التأجير لأنشطة تراثية مثل محلات الخيامية أو الأنشطة التى لا تستخدم أنانبيب بوتاجاز وهى التى تشكّل أكبر خطر على الآثار خاصة مع عدم وجود إنذار تلقائى ضد الحريق بالشارع ونظام إطفاء للحريق بكل الوسائل الحديثة، لذا فإن أى حريق بهذه المناطق القديمة يؤدى إلى كوارث ومن الممكن أن يؤدى إلى تدمير للآثار بالشارع فى حالة امتداد النيران إليها.
وحول تأثير وجود هذه المحلات سلبا على الحالة الفنية للأثر، أكد عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، أن الخطر الأكبر على الآثار هو خطر الحرائق، علاوة على أعمال التكسير التى تتم فى الآثار لتركيب شبكات الكهرباء أو توصيل المياه وخلافه، وكذلك ما ينتج من هباب أو سناج ناتج عن أعمال الحرق أو استخدام الزيوت لطهى الأطعمة، ما يؤدى إلى إتلاف النقوش والزخارف والتأثير على أحجار البناء نفسها، ما يؤدى إلى تآكلها، بالإضافة إلى تشويه الآثار بتعليق منتجات مختلفة على الواجهات ما يخفى معالمها ويشوه بانوراما الموقع.
وأشار ريحان، إلى أنه من الأفضل توقف الأنشطة التجارية نهائيًا ونقل جميع الأعمال الحرفية لمنطقة خاصة بعيدة عن الآثار وقريبة منها ولتكن منطقة الدراسة مثلا، ويتم الدعاية لها بأنها منطقة تراثية كاملة تشمل الورش والمحلات، وسيؤدى ذلك إلى رواج كبير للمنتجات التراثية، حيث يتعايش السائح مع الصناعة ويرى مراحلها بنفسه ما يشجعه على الشراء، وستكون هذه المنطقة منطقة جذب سياحى وتفتح فرص عمل جديدة للشباب باتساع نطاق الورش وتعليم الصناعة وانتشارها وحسن تسويقها، ويحافظ على الصناعات التراثية من الاندثار وهناك صناعات فى طريقها للاندثار بالفعل مثل المغربلين وغيرها، وهناك صناعات تراثية مسجلة تراث غير مادى باليونسكو مثل «الفنون والمهارات المرتبطة بالنقش على المعادن سواء النحاس أوالفضة أوالذهب» والتى تحتاج لحسن استثمارها وتنميتها وتنشيطها وتسويقها دوليًا.
وحول قانونية وجود الأنشطة التجارية أسفل المساجد الأثرية، قال رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إنه لا توجد مواد فى قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983 تتطرق لهذه الجزئية، وكل ما يتم بموافقة اللجان الدائمة للآثار كل فى تخصصها، وبناءً عليه يوافق مجلس الإدارة، ومن هنا تتأتى شرعيتها وتقع المسئولية الأولى على إدارة المنطقة التى يتم فيها التأجير، فكل شيء يتم بناءً على العرض المقدم منها وتحت إشرافها.
وعن الطريق الأفضل للتعامل مع هذه الحالات للحفاظ على الآثار، أشار ريحان، إلى أن تقنين تأجير هذه المحلات، بل وتأجير الأماكن الأثرية نفسها، مثل مقعد ماماى بالجمالية الذى كان ساحة قضاء قديما، والذى تم تأجيره لأحد المطاعم وبه كافيتريا تقدم الشيشة للزبائن فهذه كارثة وخطر يهدد الأثر.
وكذلك الحفلات التى تقام فى المواقع الأثرية وتأثيراتها الضارة على الآثار من ذبذبات صوتية وأضواء وغيرها، لذا لابد أن يكون هناك تشريع بقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 ينظم هذه العمليات بشكل يحمى الآثار ويحافظ عليها أولًا قبل أى شيء، ولا نكتفي بمجموعة ضوابط لا يتم تنفيذها بالطبع، لكن لو ارتبط الأمر بتشريع سيحد من كل هذه الأعمال التى تضر بالآثار مرحليًا مهما كان العائد منها، لأن ما سينفق على أعمال ترميمها فيما بعد يفوق أى مبالغ يتم تحصيلها من التأجير، علاوة على الحفاظ على حرمة وقدسية الآثار ويحفظ لها هيبتها وقيمتها كقيمة عالمية استثنائية ينظر إليها الأجانب بشيء من القداسة والاحترام، ولكن عندما يتنقلون أثناء زيارتهم بين أسلاك وأخشاب ومعدات للتجهيز لأحد الحفلات فهذا يقلل من هيبة أعظم آثار العالم.

أحد عناصر التصميم
فيما قالت الدكتورة مى الإبراشى، المهندسة المعمارية وإخصائية حفظ وإدارة التراث ورئيسة جمعية الفكر العمراني، إن وجود المحلات التجارية عنصر أساسى فى تصميم بعض المساجد والأماكن الأثرية مثل المساجد المعلقة التى كانت تقام وأسفلها محلات يتم تأجيرها وإنفاق الإيجار على الصيانة، وبالتالى فهناك محلات تعتبر من أصل تصميم المكان الأثرى ولا بد من استخدامها، فنحن هنا لا نتحدث عن متحف، وإنما مدينة وتراث حى، والأنشطة التقليدية فى المدينة جزء أساسى من تراثها، وبالتالى هذه المحلات لها أهمية الأثر نفسه.
وأشارت رئيسة جمعية الفكر العمرانى، إلى أن الأهم فى المسألة هو: هل التوصيلات الكهربائية الموجودة فى هذه المحلات تم تنفيذها بشكل صحيح ومناسب للطبيعة الأثرية أم أنها تشوه الأثر، فإذا كانت صحيحة فلا مانع من وجود الأنشطة التجارية، وإذا لم تكن صحيحة فعلينا تصحيح هذا الوضع وتحسينه وليس إغلاق الأنشطة التجارية.

دعم
وقال الدكتور أحمد عامر، الخبير الأثرى والمتخصص فى علم المصريات، إنه لا توجد مشكلة فى تأجير المحلات أو البازارات فى الأماكن الأثرية، لأنها تعرض منتجات متنوعة تعبر عن هوية البلد التى تنتجها، وهذه المحلات موجودة منذ عشرات السنوات، أى ليست حديثة التصميم، ولا تغير من طبيعة المكان المتواجدة به.
وأضاف عامر، أن هذا الأمر جيد وداعم للاقتصاد، حيث إن الزائر يوثق كل ما يراه، لذلك لا بد من توفير الدعم لها، وخصوصا أصحاب الحرف اليدوية، بما لا يتعارض مع الأثر نفسه.
وأشار الخبير الأثرى، إلى أن المحلات التجارية تؤثر سلبا على الأثر فى بعض الحالات عندما يتم استخدام الأثر نفسه فى عرض منتجاتهم عليه، بالإضافة إلى توصيل كهرباء من هذه الأماكن، ما يتسبب فى زيادة الأحمال، وبالتحديد فى فترات المناسبات أو الاحتفالات، لذلك لا بد من المتابعة الدورية والتفتيش المستمر عليها حرصا على سلامة الأثر والمحافظة عليه من أى خطر قد يطرأ عليه.
ولفت إلى أنه من الأفضل وجودها فى أماكنها، لأنها تعبر عن هوية الدولة، والسائح يشترى منها الهدايا التذكارية التى تعجبه، فلو تم نقل هذه المحلات إلى أماكن أخرى سوف يكون ذلك بمثابة أمر سلبى، لأنها ستكون بعيدة عن متناول السائح نفسه، ومن هنا تكون بمثابة خسارة للاقتصاد المصرى.
وأوضح عامر، أن هذه الأنشطة التجارية لها تراخيص بالفعل، لكن التعدى على الآثر يعتبر جريمة فى حالة ثبوتها، لذلك لا بد من المتابعة الدورية لرصد أية مخالفات، ويتم محاسبة من يثبت إدانته، كما لا بد من تشديد العقوبات فى مثل هذه الحالات من خلال غلق المحل فى المرة الأولى، وفى حالة التكرار يتم سحب ترخيص المحل نفسه، وفى حالة التكرار مرة أخرى يتم تحرير محضر وإثبات المخالفات السابقة وتغريم صاحبها مبلغا كبيرا، مؤكدا أن هذه الأمور سوف تساعد فى ردع كل من تسول له نفسه استخدام الأثر بشكل سيئ.


















0 تعليق